
الاتجاه المعاكس: هل انتهت المشاريع الانفصالية في سوريا إلى غير رجعة؟
تناولت حلقة (2026/1/27) من برنامج "الاتجاه المعاكس" مستقبل الحركات والمشاريع الانفصالية في سوريا، في ضوء التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة، وانقسم ضيفا الحلقة حول إذا ما كانت تلك المشاريع قد طويت صفحتها نهائيا أم أنها تعيد التشكل بانتظار ظروف إقليمية ودولية ملائمة.
واستهل مقدم البرنامج فيصل القاسم النقاش بتساؤلات عن مصير "الفدرلة" (إرساء النظام الفدرالي) والتقسيم، في ظل تأكيدات أمريكية وإقليمية متكررة على وحدة سوريا، متسائلا عمّا إذا كان تراجع نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يعني عمليا نهاية الرهان على أي مشروع انفصالي في البلاد.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث السياسي بسام سليمان إن قوات "قسد" شكّلت العمود الفقري للمشروع الانفصالي، وإن ما تعرضت له من تراجع عسكري وسياسي أسقط الفكرة من أساسها، ووجّه ضربة معنوية لكل القوى التي راهنت على تفكيك الدولة السورية.
وأوضح سليمان أن سيطرة "قسد" لسنوات على مساحات واسعة وموارد إستراتيجية، بدعم دولي مباشر، لم تمكّنها من التحول إلى كيان ذي شرعية شعبية، معتبرا أن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق عربية ضدها كشفت هشاشة مشروعها السياسي.
وأضاف أن التجربة أظهرت أن القوى الدولية تتعامل مع المليشيات كأدوات مرحلية، تستخدمها لتحقيق مصالحها ثم تتخلى عنها عند تغير الأولويات، مستشهدا بما جرى في تجارب إقليمية سابقة انتهت بإجهاض مشاريع انفصالية.
في المقابل، رفض عضو برلمان برلين جيان عمر اعتبار ما يجري هزيمة لـ"مشروع وطني"، مؤكدا أن القوى الكردية لا تطالب بالانفصال، بل بدولة مواطنة ونظام لامركزي يضمن الشراكة السياسية وحقوق المكونات ضمن سوريا موحدة.
ضربة لمسار الوحدة
وأشار عمر إلى أن المقاتلين الأكراد لعبوا دورا محوريا في مواجهة تنظيم الدولة، وأن مشروع "قسد" قام على فكرة التعايش، معتبرا أن ما تعرض له هذا المشروع شكّل ضربة لمسار بناء دولة جامعة لا تقوم على الإقصاء، حسب تقديره.
وشدد على أن المقاتلات الكرديات أصبحن رمزا دوليا للمقاومة، وأن صورهن رُفعت في برلمانات وساحات عالمية بوصفها دلالة على نضال المرأة، رافضا اختزال التجربة في اتهامات تتعلق بالتجنيد أو الانتهاكات.
وردّ سليمان بأن هذه الصورة الإعلامية لا تلغي تقارير حقوقية تتحدث عن تجنيد قاصرين وانتهاكات بحق مدنيين، معتبرا أن هذه الممارسات تقوض أي ادعاء بوجود مشروع ديمقراطي أو نموذج للتعايش.
وانتقل النقاش إلى الجنوب السوري، إذ طرح القاسم مسألة حديث بعض القوى هناك عن دعم إسرائيلي، متسائلا عما إذا كان اختلاف الظروف قد يفتح الباب أمام مشاريع انفصالية جديدة، أو إذا ما كانت تلك الرهانات محكومة بالفشل ذاته.
ورأى سليمان أن أي قوة تراهن على الخارج، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل، ستكتشف أنها مجرد ورقة مؤقتة، مؤكدا أن التجارب التاريخية تثبت أن هذه الأطراف لا تقدم ضمانات لمشاريع تقسيمية طويلة الأمد.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى ضرورة تقديم الدولة السورية خطوات تطمينية حقيقية لكل المكونات، لا سيما في الجنوب، عبر ترسيخ مبدأ المواطنة والمساءلة، بما يسحب الذرائع من أي خطاب يدعو إلى الفدرلة أو الانفصال.
حكم لامركزي
من جهته، اعتبر عضو برلمان برلين جيان عمر أن غياب الثقة بالسلطة، وفق توصيفه، هو ما يدفع بعض المكونات للمطالبة بصيغ حكم لامركزي، مؤكدا أن معالجة هذا الخلل هي المدخل الحقيقي لإغلاق ملف الانقسام، وليس الاكتفاء بإعلان نهايته.
وأوضح عمر أن القوى الكردية تطالب بضمانات دستورية تمنع عودة سياسات التهميش، معتبرا أن أي تسوية لا تقوم على شراكة سياسية فعلية ستبقي التوترات قائمة، حتى لو رُفضت مشاريع الانفصال صراحة.
وفي رده، حذّر الكاتب والباحث السياسي بسام سليمان من أن "الفدرلة" في مجتمعات خارجة من الحرب قد تتحول -برأيه- إلى مقدمة للتقسيم، مشيرا إلى تجارب إقليمية بدأت بمطالب إدارية وانتهت باستفتاءات انفصالية كادت تعصف بوحدة الدول.
وأكد سليمان أن وحدة سوريا باتت خيارا دوليا وإقليميا ثابتا، تدعمه الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية فاعلة، وأن أي مشروع يتناقض مع هذا التوجه سيجد نفسه في مواجهة عزلة سياسية خانقة.
من جانبه، توقف القاسم عند الموقف الأمريكي الرافض للتقسيم، مشيرا إلى تصريحات متكررة لمسؤولين أمريكيين تؤكد دعمهم لسوريا موحدة، وإلى أن الطروحات الإسرائيلية بشأن الجنوب لا تحظى بغطاء دولي معلن.
وتمسك عمر برأيه القائل بأن الحل يكمن في بناء دولة مدنية ديمقراطية تضمن الحقوق المتساوية، معتبرا أن هذا المسار وحده كفيل بإغلاق ملف الانفصال من جذوره.
في المقابل، شدد سليمان على أن السوريين دفعوا ثمنا باهظا من أجل وحدة بلادهم، وأن أي مشاريع تقوم على الهويات الفرعية أو السلاح الخارج عن الدولة لن يكون مصيرها سوى الفشل والاندثار.