مخيم الهول.. معسكر احتجاز يضمّ 42 جنسية من حول العالم

مخيم الهول يؤوي عشرات الآلاف من النساء والأطفال النازحين من مناطق انتزعت من تنظيم الدولة (رويترز)
مخيم الهول يُؤوي عشرات الآلاف من النساء والأطفال النازحين من مناطق انتُزعت من تنظيم الدولة (رويترز)

يقع عند الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة. أنشئ عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية من أجل إيواء النازحين العراقيين الفارين من أتون الحرب، قبل أن ينتهي به المطاف معسكر احتجاز يضمّ الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بعد سقوط آخر معاقله عام 2019.

سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عليه ضمن سيطرتها على المنطقة، وأدارته بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية سنوات عديدة، إلى أن انتقلت السيطرة عليه للسلطات السورية الجديدة في يناير/كانون الثاني 2026، والتي أعلنت في 17 فبراير/شباط الجاري قرارها إخلاءه الهول بالكامل، ونقل قاطنيه إلى مخيم يقع قرب مدينة أخترين في ريف حلب الشمالي.

عاش سكان مخيم الهول ظروفا قاسية، إذ كان يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم في ظل ضعف الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وشح الإمكانيات المرصودة التي تظل قاصرة أمام حجم الاحتياجات الكبيرة للسكان.

الموقع والمساحة

يقع مخيم الهول في ضواحي محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، على بعد حوالي 40 كيلومترا من مركز المدينة، ويتألف من 7 أقسام ويبعد عن الحدود العراقية 13 كيلومترا فقط.

تبلغ المساحة الإجمالية للمخيم حوالي 3.1 كيلومترات مربعة، ويحيط به سياج أمني بطول يقارب 12.1 كيلومترا.

مخيم الهول للاجئين العراقيين في شمال شرق محافظة الحسكة السورية
مخيم الهول معسكر احتجاز يقع شمال شرق محافظة الحسكة السورية (الجزيرة)

التأسيس

تأسس مخيم الهول عام 1991 لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، ثم أُعيد فتحه مرة أخرى بعد غزو العراق عام 2003 لاستيعاب موجة جديدة من النازحين.

وفي أبريل/نيسان 2016، أعادت قوات "قسد" افتتاحه ليكون ملاذا لآلاف النازحين الفارين من مناطق سيطرة تنظيم الدولة، لكنه انتهى ليكون مكان احتجاز لعائلات التنظيم (المتعددة الجنسيات) بعد تدفقهم عليه بأعداد كبيرة إثر الهزائم التي تكبدها وفقدانه الأراضي التي كان يسيطر عليها.

التركيبة السكانية

شهد المخيم تحولات ديمغرافية كبيرة بعد إعادة فتحه في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إذ ارتفع عدد سكانه من 10 آلاف نازح في بداية عام 2019 إلى 74 ألفا بحلول أبريل/نيسان من العام نفسه، وغالبية من فيه من النساء والأطفال، ويعزى هذا التزايد الكبير إلى تدفق عائلات مقاتلي تنظيم الدولة عقب الهزائم المتتالية التي تلقاها على يد قوات التحالف الدولي، كانت آخرها في معركة الباغوز فوقاني في التاسع من فبراير/شباط 2019.

إعلان

وفي مطلع عام 2025، انخفض عدد النازحين في المخيم بشكل ملحوظ نتيجة مغادرة عشرات الأسر العراقية نحو بلدانهم على دفعات متتالية ضمن خطة الإعادة التي نسقتها سلطات بغداد بالتعاون مع "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

ويضم المخيم إلى حدود يونيو/حزيران 2025 ما يقارب 37 ألفا معظمهم من سوريا والعراق، وبينهم نحو 6500 نازح يتوزعون على 42 جنسية من مختلف دول العالم، بينهم أوروبيون وآسيويون.

وضع إنساني متأزم

عانى سكان المخيم من أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الاكتظاظ الشديد وضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، وفق تقارير أممية.

وعاش النازحون في بيئة تفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية والمياه الصالحة للشرب والتعليم والحماية الأمنية، وتنتشر فيها أمراض سوء التغذية والإسهال الحاد بين الأطفال، في ظل محدودية المرافق الطبية وقلة المساعدات.

وقد توفي 5 أطفال دون الخامسة من العمر في غضون 4 أيام فقط في أغسطس/آب 2020، نتيجة مضاعفات متعلقة بسوء التغذية والإسهال الحاد والنزيف الداخلي ونقص السكر في الدم، وفق ما جاء في تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) التي وصفت الواقعة بـ"مأساة لأسباب يمكن منعها".

كما يشهد المخيم توترات أمنية متكررة، مما يعمق شعور السكان بالعزلة والخوف. وتعاني النساء من قيود اجتماعية صارمة، خاصة في القطاع الخاص بـ"المهاجرات"، وهو قسم داخل المخيم يضمّ أرامل وزوجات مقاتلي تنظيم الدولة مع أبنائهن دون سن 12 سنة، ويُقدر عددهم بحوالي 6300.

ويبقى الأطفال عرضة للتجنيد الأيديولوجي والحرمان من التعليم النظامي، في ظل معاناتهم من "أزمة الهوية" بسبب عدم حصولهم على وثائق رسمية تثبت نسبهم، خاصة من وُلد منهم في فترة سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة.

اتفاق لإعادة النازحين السوريين

في أواخر مايو/أيار 2025، أعلنت "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" عن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق، يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من مخيم الهول.

وجاء الاتفاق بعد اجتماع ثلاثي ضم ممثلين عن الإدارة الذاتية والحكومة السورية والتحالف الدولي، صودق فيه على "آلية مشتركة" لإعادة العائلات السورية.

وأجرت الحكومة السورية هذا الاتفاق في إطار مساعيها الرامية إلى استعادة السيطرة على المناطق الحيوية بعد سلسلة من الاتفاقات الأخرى التي شملت تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط. كما جاء في سياق الضغوط الأميركية لرفع العقوبات عن سوريا، إذ تعتبر واشنطن معالجة ملف المخيمات والسجون أحد الشروط الأساسية.

وبينما مثّل الاتفاق انفراجة في أفق حل الأزمة الإنسانية داخل المخيم، ظل مصير آلاف العائلات الأجنبية غامضا في ظل استمرار رفض معظم الدول استعادة مواطنيها.

مخيم الهول للاجئين العراقيين في شمال شرق محافظة الحسكة السورية
قوى الأمن الداخلي في شمال وشرق سوريا تشن حملات أمنية دورية على مخيم الهول لملاحقة خلايا تنظيم الدولة (الجزيرة)

تهديدات أمنية

وينظر إلى مخيم الهول بوصفه من أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم الدولة الإسلامية، فهو بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، مما يثير مخاوف من تحوله إلى "حاضنة للتطرف"، كما أن أحداث القتل والاختفاء القسري متكررة فيه.

إعلان

في مطلع مايو/أيار 2025، شنت قوات "قسد" حملة أمنية داخل المخيم بهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة، وشملت الحملة تفتيش الخيام والمرافق واعتقال المشتبه بهم، وأسفرت الحملة -وفق تقارير محلية- عن اعتقال 20 شخصا وضبط 15 خلية نائمة، إضافة إلى مصادرة 10 قطع سلاح ومواد متفجرة كانت مخبأة في مناطق متفرقة داخله.

وفي 25 يونيو/حزيران 2025، كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن خلية تابعة لتنظيم الدولة، انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل 25 وإصابة العشرات.

ووفق التحقيقات الرسمية، فإن الانتحاري الذي نفذ التفجير والعنصر الآخر الذي ألقي عليه القبض قبل تنفيذ عملية ثانية، قدِما معا من مخيم الهول عبر البادية السورية، بدعم من قيادي في التنظيم يدعى محمد عبد الإله الجميلي، معروف بـ"أبو عماد".

وفي أوائل 2026 وبعد تصعيد عسكري مع قوات قسد، واتهامها بخرق الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق 10 مارس/آذار 2025، أطلق الجيش السوري عملية عسكرية واسعة بدأت في حلب وامتدت نحو الأراضي التي تسيطر عليها قسد في شمال وشرق البلاد، لتصل إلى مناطق الجزيرة السورية ومحيط مخيم الهول.

وبعد عقد اتفاقات وتفاهمات بين الطرفين، انتهت معضلة مخيم الهول على الأراضي السورية، حيث تسارعت عملية تفكيكه عقب انتقال السيطرة عليه من قوات قسد إلى الحكومة السورية في يناير/كانون الثاني 2026، بعد سنوات من الجدل حول مصير قاطنيه، وتنصُّل الدول من الاعتراف برعاياها الموجودين فيه أو استعادتهم، وتفضيلهم استمرار احتجازهم تحت رقابة من التحالف الدولي وقسد المتعاونة معه.

لكن وزارة الداخلية السورية أقرّت بحدوث حالات فرار جماعي من المخيم، معللة ذلك بانسحاب "قسد" منه قبل وصول قوات الجيش السوري بنحو 6 ساعات، مما أدى إلى حدوث حالات هروب جماعي نتيجة فتح المخيم بصورة عشوائية.

تكشف مخيم الهول عن وجود قرابة 4 آلاف طفل أجنبي فيه لا يمتلكون أوراقا ثبوتية، وجميعهم فقدوا آباءهم في جبهات القتال، واستمر احتجازهم ضمن ظروف إنسانية صعبة لقرابة 6 سنوات، دون أن تتمتع شريحة كبيرة منهم بأي وضع قانوني، أو تمتلك أوراقا تثبت ارتباطهم بدولهم.

وفي 17 فبراير/شباط من العام نفسه، أعلنت الحكومة السورية في دمشق قرارها إخلاء مخيم الهول بالكامل خلال أسبوع، ونقل قاطنيه إلى مخيم يقع قرب مدينة أخترين في ريف حلب الشمالي، بينما استمرت الدول في تبني سياسة التنصل من المسؤولية عن مواطنيها الموجودين فيه، ممن قدموا إلى دمشق بعد 2011، واقتصر دور الأمم المتحدة على التوصيات والمناشدات.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان