تنظيم الدولة الإسلامية.. من نشأته وامتداده حتى انحساره

تنظيم مسلح يتبنى الفكر "السلفي الجهادي"، وتعود نشأته لأيام الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وأعلن التنظيم في 29 يونيو/حزيران 2014، عن تأسيس ما سُمي بـ"دولة الخلافة الإسلامية" على مناطق واسعة سيطر عليها في العراق وسوريا، ضاما آلاف المقاتلين من جنسيات متعددة.
بدأ نفوذ التنظيم بالتراجع منذ عام 2017، مع خسارته مدينة الموصل في العراق، ومحافظتي الرقة ودير الزور في سوريا وغيرها، وانتهت سيطرته الإقليمية عمليا في مارس/آذار 2019 بسقوط آخر معاقله في قرية الباغوز السورية التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وأنشأت قوات قسد التي دعمتها الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على التنظيم، سلسلة من السجون والمراكز الاحتجازية شمال شرقي سوريا لاستيعاب آلاف المقاتلين المحتجزين وعائلاتهم وغيرهم، ومع ذلك بقي الآلاف من مقاتلي التنظيم خارج نطاق الاحتجاز.
وعقب سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، تمكنت الحكومة الجديدة من بسط سيطرتها على مناطق قسد شمال شرقي البلاد، فعاد ملف التنظيم والمعتقلين إلى صدارة الاهتمام الدولي أوائل 2026، مما دفع الولايات المتحدة إلى التنسيق مع العراق لاستقبال هؤلاء سجناء.
النشأة والتأسيس
تعود جذور تنظيم الدولة إلى "جماعة التوحيد والجهاد" التي أسسها الأردني أبو مصعب الزرقاوي بالعراق 2004 إثر الاحتلال الأميركي لأراضيه.
أعلن الزرقاوي عام 2006 مبايعة جماعته لزعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن وأصبح اسمها "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، وبعد مقتله منتصف 2006 أعلن التنظيم قيام "الدولة الإسلامية في العراق" التي أصبحت في 2013 تسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام".
الفكر والأيديولوجيا
ينتمي تنظيم الدولة الإسلامية إلى تيار "السلفية الجهادية" الذي ينتهج غالبا الرؤية الفكرية لتنظيم القاعدة، المؤسسة على وجوب "المفاصلة الجهادية" مع الأنظمة الحاكمة بالعالم الإسلامي و"حلفائها الغربيين" تمهيدا لإقامة "دولة الخلافة الإسلامية" لتطبيق أحكام الإسلام.

المسار الميداني
بدأ الظهور التصاعدي لتنظيم الدولة حين أعلنت القوات الأميركية والعراقية مقتل أمير "الدولة الإسلامية في العراق" أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو حمزة المهاجر يوم 19 أبريل/نيسان 2010، إذ انعقد مجلس شورى الدولة ليختار أبو بكر البغدادي خليفة له، والناصر لدين الله سليمان وزيرا للحرب.
ظهر تسجيل صوتي منسوب لأبي بكر البغدادي يوم 9 أبريل/نيسان 2013 أكد فيه أن "جبهة النصرة" في سوريا امتداد لدولة العراق الإسلامية، وأعلن توحيد اسميْ التنظيمين تحت اسم واحد هو "الدولة الإسلامية في العراق والشام".
قبلت "جبهة النصرة" الانضمام لتنظيم الدولة في بداية الأمر بتحفظ، إلا أن الخلافات والمعارك بدأت بعد أن اتهمت الجماعات المعارضة الأخرى -بمن فيها "جبهة النصرة"- تنظيم الدولة بمحاولة الانفراد بالسيطرة والنفوذ، والتشدد في "تطبيق الشريعة" وتنفيذ إعدامات عشوائية.
تفاقمت الخلافات بين التنظيمين حين اعترض تنظيم الدولة علنا على مطالبة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري إياه بالتركيز على العراق وترك سوريا لـ"جبهة النصرة".
كشف خلاف تنظيم الدولة وجبهة النصرة -اللذين يستلهمان فكر القاعدة- واقتتالهما في سوريا خلافات أعمق بين قادة تنظيم الدولة والظواهري الذي يفترض أنه المرجع القيادي لكل الجماعات "الجهادية".
فقد هاجم أبو محمد العدناني (المتحدث باسم تنظيم الدولة) الظواهري في مايو/أيار 2014، نافيا أن يكون التنظيم فرعا من القاعدة لأنه "لم يكن يوما كذلك".
نُسبت لتنظيم الدولة السيطرة السريعة على الموصل يوم 11 يونيو/حزيران 2014، لكن مراقبين استبعدوا ذلك لقلة مقاتلي التنظيم بالعراق، وربطوا انهيار القوات العراقية هناك بمشاركة مسلحي القبائل وعسكريين سابقين من أنصار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
إعلان قيام "الخلافة"
أعلن التنظيم يوم 29 يونيو/حزيران 2014 قيام "الخلافة الإسلامية" وتنصيب البغدادي "خليفة للمسلمين في كل مكان"، ودعا الفصائل "الجهادية" في العالم لمبايعته.
كما أعلن التنظيم حينها تغيير اسمه ليقتصر على "الدولة الإسلامية"، وهو قرار اتخذه "أهل الحل والأعيان والقادة" فيه، وبعد ذلك دعا البغدادي "المجاهدين" للهجرة إلى "دولة الخلافة".
يرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات -في ورقة "تحليل موقف" نشرها يوم 15 يونيو/حزيران 2014- أن خطط تنظيم الدولة تقوم على أولوية مواجهة التوسع الإيراني بالمنطقة ومحاربة "المشروع الصفوي" مدفوعا بالأساس الهوياتي (السني/الشيعي)، بينما الأساس المصلحي الجيوسياسي هو المحرك الرئيسي للقيادة المركزية لتنظيم القاعدة، لكن تمكين الشريعة هو الهدف المشترك بين الطرفين.
بسط تنظيم الدولة نفوذه على مناطق واسعة في العراق وسوريا، واستولى على مخازن أسلحة يمتلكها الجيشان العراقي والسوري. تتفاوت التقديرات البحثية والاستخباراتية لمجموع مقاتليه بالبلدين بين 10 آلاف و35 ألف مقاتل، ينتمون إلى جنسيات عربية وأجنبية، وسبق لكثير منهم أن قاتلوا بالعراق والشيشان وأفغانستان وبلدان أخرى.
يستمد تنظيم الدولة تمويله من الجزية والفدية والإتاوات التي يفرضها على سكان مناطق سيطرته، كما أنه سيطر على آبار نفط سورية، وصدرت تقارير عن بيعه النفط لتجار محليين وحتى للحكومة السورية، وهناك اتهامات لأجهزة استخبارات إقليمية بتمويله، إضافة لتبرعات يُعتقد أنها تأتيه من داعميه ببلدان عدة.
عُقد يوم 11 سبتمبر/أيلول 2014 اجتماع بجدة ضم وزراء خارجية مصر والأردن والعراق ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، وأعلنت هذه الدول دعمها لإنشاء تحالف دولي لمحاربة تنظيم الدولة، وبعده بأيام بدأ التحالف بقصف مواقع التنظيم في كل من سوريا والعراق.
لاقى تنظيم الدولة تأييدا وتعاطفا بين فئة من الجهاديين الإندونيسيين، ومنهم جماعة أنصار التوحيد، لكن الأغلبية ظلت ترفض فكر التنظيم ولا تقبل اجتهاداته، وتتعاطف مع التنظيمات الجهادية الأخرى في سوريا، كما هي الحال مع مجلس مجاهدي إندونيسيا وجماعة أنصار الشريعة.
خسر تنظيم الدولة منذ بداية عام 2016 إلى نهاية أغسطس/آب من العام نفسه نحو 16 موقعا مهما في كل من سوريا والعراق وليبيا أهمها مدن الفلوجة وتدمر وجرابلس ومنبج وسرت.
وبحسب إحصائية أجرتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فإن عدد المواقع التي سيطر عليها تنظيم الدولة منذ ظهوره هو 126 موقعا مدنيا وعسكريا في سوريا والعراق، قبل أن يجبر على الانسحاب من 56 موقعا من ضمنها خمس مدن كبرى في البلدين.
وأوضح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي صيف العام 2016 أن التنظيم لا يسيطر إلا على 14% من أراضي العراق، بعدما استولى على قرابة ثلث البلد في شماليه وغربيه قبل عامين.
بالتزامن مع ذلك، قال مركز "جاين" للأبحاث البريطاني إن الأراضي التي سيطر عليها تنظيم الدولة في سوريا والعراق تقلصت بنسبة 12% في الأشهر الستة الأولى من عام 2016.

انحسار التنظيم
وفي فجر الاثنين 17 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أطلقت القوات العراقية عملية عسكرية لاستعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة بمشاركة 45 ألفا من القوات التابعة لبغداد وقوات الحشد الشعبي والحشد الوطني السني، إلى جانب دعم التحالف الدولي والبشمركة.
وجرت معارك طاحنة بين الأطراف المشاركة في القتال وبين التنظيم، فقد على أثرها عددا من القرى والمناطق التي كان يسيطر عليها، في وقت استمر اقتراب القوات العراقية ومن يقاتل إلى جانبها من مدينة الموصل.
وبينما استمر تراجع قوات تنظيم الدولة في العراق، أعلنت قوات قسد منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أنها شنت هجمات على مدينة الرقة السورية التي تعد مركز ثقل التنظيم بأرض الشام، ونجحت في السيطرة على بعض القرى في ريف الرقة الشمالي تحديدا.
وفي سياق العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة، أسهمت حملة جوية متصاعدة بقيادة الولايات المتحدة في إضعاف سيطرة التنظيم على معاقله الرئيسية في العراق وسوريا.
وفي 9 يوليو/تموز 2017، وصل رئيس الوزراء العراقي آنذاك حيدر العبادي إلى مدينة الموصل، ليعلن استعادتها بالكامل، بعد 3 أعوام من إعلان زعيم التنظيم البغدادي قيام ما سماها "دولة الخلافة" منها.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أعلنت قوات قسد السيطرة الكاملة على مدينة الرقة، وبالتزامن واصلت قوات نظام الأسد عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة، مما أسفر عن تقليص نفوذه في شرق البلاد.
وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أعلنت قوات نظام الأسد سيطرتها الكاملة على مدينة دير الزور عقب مواجهات عسكرية مع التنظيم.
وفي الشهر التالي، أعلن رئيس الحكومة العراقية حينئذ العبادي سيطرة القوات العراقية "بشكل كامل" على الحدود العراقية-السورية، مؤكدا "انتهاء الحرب" ضد تنظيم الدولة في العراق.
وفقد التنظيم آخر معاقله الإقليمية في مارس/آذار 2019، عندما أعلنت قوات قسد سيطرتها على قرية الباغوز شرقي سوريا، ومن جهتها أوضحت قسد أنها أحكمت السيطرة على آخر جيب كان التنظيم يحتفظ به في المنطقة، بما أنهى فعليا الكيان الإقليمي للتنظيم.
وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2019، قُتل زعيم التنظيم آنذاك، أبوبكر البغدادي، في أثناء عملية عسكرية نفذتها القوات الأمريكية في محافظة إدلب شمالي سوريا.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن البغدادي لقي حتفه بعدما فجر سترة ناسفة داخل نفق مسدود أثناء مداهمة القوات الأمريكية لموقعه، مما أدى إلى مقتله ومقتل 3 من أبنائه.
وأنشأت قوات قسد التي دعمتها الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا للقضاء على التنظيم، سلسلة من السجون والمراكز الاحتجازية شمال شرقي سوريا، بعضها جعلته لاستيعاب آلاف المقاتلين المحتجزين من التنظيم وعائلاتهم، ومع ذلك بقي الآلاف من المقاتلين خارج نطاق الاحتجاز.
وعلى الرغم من خسارة التنظيم آخر معاقله الإقليمية عام 2019، فإن ملفه لم يُغلق نهائيا؛ إذ قدرت الولايات المتحدة عدد مقاتليه المحتجزين في سجون شمال شرقي سوريا بنحو 7 آلاف.
وأدى تصاعد التوترات الإقليمية التي شملت إسرائيل وما يُعرف بمحور المقاومة بقيادة إيران عام 2024، إلى ضعف نظام الأسد الأمر الذي أتاح عودة نشاط التنظيم في بعض مناطق سوريا.
وأدى انهيار قوات نظام الأسد بالكامل أمام تمدد فصائل الثورة التي أطلقت عملية "ردع العدوان" أواخر عام 2024، إلى انحسار سيطرة قوات قسد عن بعض مناطق نفوذها، فأعلن قائدها مظلوم عبدي عن عودة نشاط التنظيم.
وأشار عبدي إلى أن تنظيم الدولة بات يدخل إلى مناطق سيطرة قواته، ولم يعد يقتصر نشاطه على البادية السورية، مستغلا التطورات الميدانية في سوريا وزوال سيطرة النظام المخلوع على بعض المناطق.
تنسيق أمني
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت سوريا انضمامها رسميا إلى "التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية"، وتعهد الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بالتعاون مع الولايات المتحدة في جهود ملاحقة بقايا التنظيم.
وشمل ذلك تنسيقا أمنيا واستخباراتيا بين دمشق وواشنطن بشأن المقاتلين الأجانب ومنع استخدام الأراضي السورية ملاذا آمنا لـ"الشبكات المتطرفة".
ومع استعادة الحكومة السورية الجديدة المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قوات قسد، عاد ملف المعتقلين إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وفي هذا السياق، دفعت الولايات المتحدة باتجاه التنسيق مع العراق لاستقبال هؤلاء السجناء.
وفي أواخر يناير/كانون الثاني 2026، بدأت عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرقي سوريا إلى العراق، في خطوة وُصفت بأنها إجراء استباقي لتعزيز الأمن الإقليمي ومنع استغلال ملف السجناء ورقة ضغط سياسية أو أمنية، بعد أن كان هذا الملف لسنوات تحت إدارة قوات قسد.