ما هي "عقيدة مونرو"؟ وما علاقة ترامب بها؟

يمكن القول بداية أن الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب أصبح يشكل تهديدا حقيقيا للقانون الدولي، ومجموع القواعد القانونية المؤطرة للعلاقات الدولية التي تضمن سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بعيدا عن التدخل الخارجي.
ما حصل بعد عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو هو حقا انقلاب على ما راكمته البشرية من أطر قيمية ومعيارية منذ الحرب العالمية الثانية.
كثيرة هي الأسئلة التي تطرح في هذا السياق الدقيق من تاريخ البلد البوليفاري، وتاريخ دول أميركا اللاتينية، خصوصا تلك التي لا تتقاطع مع المصالح الإستراتيجية الأميركية؛ نذكر على الخصوص المكسيك، وكولومبيا، ونيكاراغوا، وكوبا.
ما هي السيناريوهات المطروحة لما بعد مادورو؟ وما هي المحركات الحقيقية للرئيس ترامب؟ هل نشر الديمقراطية، وتعميم منظومة حقوق الإنسان الكونية على باقي دول العالم، أم إن الأمر يتعلق بمصالح أميركية صرفة، ارتباطا بمصادر الطاقة الأحفورية من بترول وغاز، ومعادن نفيسة تحتاجها الصناعات الأميركية المتطورة، على اعتبار أن احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا هي الكبرى على الصعيد العالمي؟
ما مدى فاعلية القانون الدولي في تدبير فائض القوة لدولة مثل الولايات المتحدة الأميركية؟ إلى أين تسير البشرية، خصوصا بعد تهديدات ترامب باحتلال جزيرة غرينلاند الدانماركية، وإبداء رغبته في تنصيب وزير خارجيته ماركو روبيو رئيسا على كوبا، وإسكات أي صوت معارض، حتى وإن كان حليفا أوروبيا أو غربيا أو ينتمي إلى حلف "الناتو"؟
عقيدة مونرو، إطار مفهومي لفهم ما يجري من أحداث
ترتبط هذه التسمية بالرئيس الأميركي "جيمس مونرو"، الذي تولى منصبه بين عامي 1817 و1825. وتعتبر عقيدة مونرو هذه، بمثابة الغطاء السياسي لرغبة الولايات المتحدة الأميركية في بسط نفوذها والهيمنة على عمقها الإستراتيجي في أميركا اللاتينية، باعتباره امتدادا طبيعيا لأمنها القومي. إنها تبرير للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار.
عادت اليوم هذه العقيدة إلى واجهة السياسة الخارجية الأميركية بشكل واضح، خصوصا بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول 2025 عن وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.
وهي وثيقة يمكن اعتبارها بمثابة إعادة ترتيب للأولويات الأميركية، وإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجيا وجيوسياسيا في العالم، بعد حوالي أربعين عاما من الالتزامات التقليدية التي لا تخدم دائما بالضرورة مصالح أميركا الإستراتيجية والاقتصادية، مثل حماية أمن إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط، وتأمين سلامة الممرات البحرية للتجارة الدولية.
وهو موضوع لا يعني فقط الولايات المتحدة الأميركية، بل ينبغي على مجموع دول العالم الانخراط في هكذا معارك؛ ضمانا للأمن والسلم العالميين، حسب ما يفهم من مضامين الوثيقة.
تعتبر وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي تطويرا لمضامين عقيدة مونرو، التي تراهن بالأساس على حماية نفوذ المصالح الأميركية وأمنها القومي في الأميركتين، مع دعم الدول التي تتقاطع مع المصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة بعيدا عن تأثيرات وتدخلات الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والتي يحظر عليها وفق عقيدة مونرو دخول فضاء التأثير والحضور الأميركي.
هذا بالضبط ما يفسر تعهد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بإعادة هيمنة الولايات المتحدة الأميركية العسكرية على نصف الكرة الغربي، وشروع واشنطن عمليا في تغيير سياساتها للأمن القومي تجاه دول الجوار، باعتبارها عمقا إستراتيجيا لها.
وهو ما تجلى بشكل واضح في اعتقال نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026، والتلويح بتغيير النظام السياسي في كوبا، والتهديدات المتلاحقة باحتلال جزيرة غرينلاند الدانماركية، والعمل على إحداث انشقاقات داخل حلف "الناتو"، بعدما أرسلت مجموعة من الدول كفرنسا، وألمانيا، والسويد، والنرويج جنودها إلى هناك؛ في إشارة إلى ترامب لكبحه عن القيام بأي فعل قد يضر بالمصالح الأمنية والإستراتيجية لمجموع الدول المشكِلة للحلف.
ثلاثة متغيرات مؤثرة في سيناريوهات مرحلة ما بعد مادورو
- أولا: السيدة ديلسي رودريغيز، رئيسة فنزويلا المؤقتة بعد ضوء أخضر من المحكمة العليا ودعم الجيش- الذي يعتبر جزءا من الحركة الثورية البوليفارية في فنزويلا- حضرت إلى البرلمان الفنزويلي في 15 يناير/ كانون الثاني 2026 بمناسبة عرض التقرير السنوي للتدبير الحكومي على أعضاء البرلمان، باعتباره تقليدا دستوريا للقصر الفدرالي التشريعي كما يسمى في فنزويلا البوليفارية؛ في مناسبة عرفت حضور سفراء مجموعة من الدول الأجنبية، والسلطات الحكومية.
لكن مناسبة هذه السنة لم تكن مثل المناسبات السابقة، حيث شهدت تقديم مجموعة من مشاريع القوانين داخل قبة البرلمان، في إشارة إلى أن فنزويلا قد تدخل مرحلة جديدة لاستثمار رأس المال الأجنبي لاستغلال مواردها الطاقية وتوظيف عائداتها في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتربية، وباقي الخدمات الاجتماعية، وقطاع البنى التحتية.
وهي قطاعات عانت سوء التدبير في السنوات التي عرفت حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو.
مشروع القانون الأول الذي قدمته رئيسة فنزويلا المؤقتة، هو مشروع قانون إصلاح القانون المتعلق بمصادر الطاقة وقطاع الهيدروكربونات من أجل جلب الاستثمار الأجنبي، وهي خطوة ضرورية لأجل النهوض بالقطاع، وتعزيز منظومة العدالة الاجتماعية، خصوصا أن مجموعة من الحقول النفطية تحتاج إلى استثمارات ضخمة تعجز ميزانية الدولة على تحمل كلفتها.
كما أن منظومة تسعير الأثمنة في القطاعات التجارية والاقتصادية هي منظومة متوافق عليها، ويحظر التلاعب بها كما جاء في شروحات ديلسي رودريغيز المقدمة لأعضاء البرلمان.
مشروع القانون التنظيمي الثاني يتعلق بحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، في إشارة إلى توظيف مداخيل النفط في مجال القطاعات الاجتماعية الحيوية المتضررة من فترات الحكم، وتدبير الشأن الاجتماعي السابقة.
هناك مشروع قانون تنظيمي ثالث يسمى قانون تسريع المساطر الإدارية، وهو نموذج لمواجهة حالة الحصار الاقتصادي الذي تعانيه فنزويلا.
ويروم بالأساس تشجيع رأس المال الأجنبي لدخول فنزويلا للاستثمار في قطاع البنى التحتية للحقول النفطية بالبلد. هذا، وأكدت الرئيسة المؤقتة من داخل البرلمان على تكليف الفريق القانوني بمواصلة العمل من أجل تقوية وتصليب المنظومة القانونية المعيقة للاستثمار الأجنبي؛ لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنات والمواطنين الفنزويليين.
هذا، وجدير بالذكر، أن ديلسي رودريغيز، شددت في معرض حديثها أمام البرلمانيين على أن العدوان الأميركي على فنزويلا يشكل نقطة سوداء في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وفنزويلا، مؤكدة أن السياق السياسي بعد عدوان 3 يناير/ كانون الثاني 2026، دفع فنزويلا إلى تبني الخيار الدبلوماسي من أجل إنهاء الخلاف، كما أن فنزويلا من حقها تعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الصين، وروسيا، وإيران، وكوبا، وكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية؛ باعتبار فنزويلا بلدا حرا ذا سيادة.
سواء تعلق الأمر بكلام الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، أو أخيها خورخي رودريغيز رئيس البرلمان الفنزويلي، فإنه من الواضح أننا أمام محاولة تدشين مرحلة جديدة في تاريخ فنزويلا السياسي، رغم تأكيد الأولى أن منطلقات ومضامين عقيدة "مونرو" تناقض تطلعات الحركة البوليفارية، وأن المكان الطبيعي لنيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس هو فنزويلا.
- ثانيا: استقبلت ديلسي رودريغيز في نفس اليوم، 15 يناير/ كانون الثاني 2026، مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف، وهو مسؤول أعلى منصب يزور البلد بتكليف من الرئيس دونالد ترامب بعد أسبوعين من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، كما صرحت وسائل الإعلام الأميركية.
استغرق اجتماع الطرفين ساعتين، وكان الهدف هو فتح قنوات التواصل، وخلق أجواء الثقة بين البلدين. هذا، وناقش الطرفان كذلك، آفاق التعاون الاقتصادي وتنسيق الجهود حتى لا تصبح فنزويلا بلد لجوء بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة الأميركية.
- ثالثا: نفس اليوم كذلك، أي 15 يناير/ كانون الثاني 2026، عرف اجتماع زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بالبيت الأبيض في واشنطن، من أجل التداول في مستقبل فنزويلا، ودورها في عملية الانتقال السياسي.
يشار إلى أن ماتشادو مُنعت من الترشح في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، والتي عرفت فوز الرجل الثاني في المعارضة الدبلوماسي إدموندو غونزاليس، المعترف به كرئيس للبلد من طرف دول عديدة عبر العالم، رغم عدم نشر محاضر أشغال هذه الانتخابات إلى اليوم.
هذا، ويدرك الرئيس ترامب أن زعيمة المعارضة الفنزويلية لا تملك من المؤهلات، ما يمكّنها من قيادة المرحلة، حسب تصريحات الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت.
لذلك فهو يراهن على الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، بعدما أعطت هذه الأخيرة أكثر من إشارة تدل على عزمها تدشين مرحلة جديدة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، علاقة أقل ما يمكن أن يقال عنها، أنها مختلفة عن سابقتها.
فهل هي خلافات سياسية آن أوان حسمها داخل الحركة الثورية البوليفارية في فنزويلا بين جناح نيكولاس مادورو، وجناح آخر يحاول الضغط على ديلسي رودريغيز، أم هو سياق جديد وغير منتظر ألزم الجميع بتدبير مرحلة دقيقة وصعبة من تاريخ فنزويلا، تدبير يستحضر طبيعة المرحلة، ولا يجازف بمبادئ وأفق الحركة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
