أنطونيو غوتيريش.. اشتراكي برتغالي يقود الأمم المتحدة

أنطونيو غوتيريش تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني 2017 (الفرنسية)

سياسي ودبلوماسي برتغالي بارز تولى مناصب قيادية داخل بلاده، أبرزها منصب رئيس الوزراء، كما اضطلع بأدوار مؤثرة على الصعيد الدولي، إذ شغل مناصب وأوكلت إليه مسؤوليات دولية مهمة، من بينها المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة.

انتخبته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2016 أمينا عاما للمنظمة الأممية، خلفا للكوري الجنوبي بان كي مون، قبل أن يباشر مهامه رسميا في الأول من يناير/كانون الثاني 2017.

مع توليه هذا المنصب، برز اسم غوتيريش في صدارة المشهد السياسي دوليا، إذ كان له دور محوري في حلّ العديد من الملفات الدولية المرتبطة أساسا بالقضايا التنموية وحقوق الإنسان، وكذلك بالنزاعات المسلحة في مختلف بقاع العالم وما رافقها من أزمات إنسانية.

المولد والنشأة

وُلد أنطونيو مانويل دي أوليفيرا غوتيريش يوم 30 أبريل/نيسان 1949 في أبرشية سانتوس أو فيليو في مدينة لشبونة. وهو ابن فيرجيليو دياس غوتيريش وإيلدا كانديدا دوس ريس أوليفيرا غوتيريش. ونشأ في كنف أسرته وسط بيئة حضرية في قلب العاصمة البرتغالية.

تزوج غوتيريش مرتين، الأولى من لويسا ميلو التي وافتها المنية عام 1998، والثانية من كاتارينا فاز بينتو، التي ارتبط بها عام 2001. ولديه ابن وابنة.

الدراسة والتكوين

تلقّى غوتيريش تعليمه الأساسي والثانوي في مسقط رأسه، قبل أن يلتحق بالمعهد التقني العالي التابع لجامعة لشبونة عام 1965، إذ حصل على البكالوريوس في الهندسة الكهربائية والفيزياء التطبيقية عام 1971.

المسار السياسي

طرق غوتيريش أبواب السياسة بعد ثورة 25 أبريل/نيسان 1974، المعروفة باسم ثورة القرنفل، التي أنهت نظام "الدولة الجديدة" الاستبدادي في البرتغال، وهو نظام سيطر على البلاد من 1933 حتى 1974 تحت قيادة أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، وتميز بتركيز السلطة التنفيذية، وقمع الحريات السياسية والإعلامية، واعتماد أجهزة أمنية قوية لمراقبة المعارضة، وتبني أيديولوجية قومية محافظة.

إعلان

وفي عام 1974، انضم غوتيريش إلى الحزب الاشتراكي البرتغالي، المنتمي إلى التيار الديمقراطي الاجتماعي الاشتراكي، وشارك في أنشطة الحزب التنظيمية والسياسية، داعما التحول الديمقراطي في بلاده بعد سقوط النظام الاستبدادي.

وكان غوتيريش ناشطا في مبادرات الحزب لتعزيز حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإصلاحات الإدارة العامة، قبل أن يترشح لأول مرة للبرلمان عام 1976، وهو العام الذي شهد إجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة.

سنوات من العمل البرلماني

في عام 1976، عقب أول انتخابات ديمقراطية في البرتغال، انتُخب أنطونيو غوتيريش عضوا في البرلمان البرتغالي عن الحزب الاشتراكي. وهو المنصب الذي شغله فترات متفرقة امتدت حتى عام 1995.

في أثناء هذه الفترة، تولى رئاسة عدد من اللجان البرلمانية، من بينها لجنة الاقتصاد والمالية والتخطيط ولجنة الإدارة الإقليمية والبلديات والبيئة. كما قاد المجموعة البرلمانية للحزب الاشتراكي، وأسهم في صياغة قوانين عدة، ورسم السياسات الوطنية المتعلقة بالاقتصاد والتنمية الإدارية والاجتماعية.

وفي الفترة الممتدة بين 1981 و1983، مثّل غوتيريش البرتغال في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، وتولى داخلها رئاسة اللجنة المعنية بالديمغرافيا والهجرة واللاجئين، وهو ما أتاح له فرصة المشاركة في صياغة سياسات أوروبية تتعلق باللاجئين والهجرة.

وبفضل هذه المسيرة البرلمانية الممتدة سنوات عدة، اكتسب غوتيريش خبرة واسعة في العمل التشريعي وإدارة اللجان، مما مهد له الطريق لاحقا لينتقل من السلطة التشريعية إلى التنفيذية بتوليه منصب رئيس وزراء البرتغال عام 1995.

رئاسة الوزراء

في أكتوبر/تشرين الأول 1995، تولى غوتيريش منصب رئيس وزراء البرتغال عن الحزب الاشتراكي، بعد الفوز في الانتخابات البرلمانية، ليشكل بموجب ذلك حكومة أقلية، أي حكومة لا تمتلك أغلبية مطلقة في البرلمان، الأمر الذي اضطره إلى التفاوض والتوافق مع أحزاب أخرى لتمرير التشريعات والمشاريع الحكومية، واستمر هذا الوضع حتى أبريل/نيسان 2002.

وأشرف غوتيريش في أثناء فترة ولايته على انتقال البرتغال من عملتها الوطنية "الإسكودو" إلى اعتماد اليورو عملة رسمية، وما تلا ذلك من إجراءات اقتصادية كانت لازمة آنذاك لتوحيد العملة الأوروبية.

كما قاد عملية نقل ماكاو من السيادة البرتغالية إلى الصين في ديسمبر/كانون الأول 1999، منهيا بذلك قرونا من الحكم البرتغالي للمنطقة.

أما على الصعيد الدولي، فقد اضطلع غوتيريش بدور محوري في حل الأزمة الإنسانية في تيمور الشرقية، إذ كان من أبرز المدافعين عن استقلال البلاد بعد سنوات طويلة من الاحتلال الإندونيسي.

وفي عام 2000، مع تولي البرتغال الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، شغل غوتيريش منصب رئيس المجلس الأوروبي، وأشرف على اعتماد "جدول أعمال لشبونة للنمو وفرص العمل"، وهو برنامج أوروبي شامل وضعته الدول الأعضاء لتعزيز النمو الاقتصادي والتوظيف على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وبعد هزيمة الحزب الاشتراكي في الانتخابات المحلية التي أجريت في ديسمبر/كانون الأول 2001، قدّم غوتيريش استقالته من رئاسة الوزراء في يناير/كانون الثاني 2002، تمهيدا لإجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، التي تمت في مارس/آذار من العام ذاته، وأسفرت عن خسارة مدوية للحزب الاشتراكي، فقد على إثرها السلطة لصالح التحالف الديمقراطي الاجتماعي/ الديمقراطي المسيحي.

United Nations Secretary-General Antonio Guterres speaks during a Security Council meeting at the United Nations headquarters, Monday, Jan. 20, 2025. (AP Photo/Yuki Iwamura)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في أثناء اجتماع لمجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة أوائل 2025 (أسوشيتد برس)

المسؤوليات والمناصب الدولية

في عام 2005، انتُخب غوتيريش مفوضا ساميا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو المنصب الذي شغله حتى ديسمبر/كانون الأول 2015. وفي أثناء توليه هذا المنصب، واجهت المنظمة أكبر أزمات التشرد منذ الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك النزاعات في سوريا والعراق، وأزمات جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى واليمن، مما أدى إلى زيادة عدد اللاجئين والنازحين داخليا والأشخاص المهجرين قسرا من 38 مليونا في 2005 إلى أكثر من 60 مليونا في 2015.

إعلان

وقاد غوتيريش جهود تعزيز كفاءة المفوضية وخفض التكاليف التشغيلية في مقرها بجنيف، وفي الوقت نفسه عمل على تحسين قدرة المنظمة على الاستجابة السريعة للأزمات العالمية. كما سعى إلى حشد الدعم الدولي، ودعوة الدول الغنية إلى تكثيف جهودها لمساعدة اللاجئين في مختلف أنحاء العالم.

بعد انتهاء فترة ولايته في المفوضية، انتُخب غوتيريش في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2016 أمينا عاما للأمم المتحدة خلفا لبان كي مون. وبدأ غوتيريش ولايته الرسمية في الأول من يناير/كانون الثاني 2017، قبل أن تتم إعادة انتخابه بالتوافق لولاية ثانية في 18 يونيو/حزيران 2021.

إبان فترة ولايته أمينا عاما للأمم المتحدة، شارك غوتيريش في جهود معالجة الأزمات الإنسانية الدولية، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، إذ التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 26 أبريل/نيسان 2022 لمناقشة المساعدات الإنسانية وإجلاء المدنيين، ثم التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بكييف في يوم 28 من الشهر نفسه، وذلك بهدف متابعة جهود حماية المدنيين وتنسيق المساعدات الإنسانية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، دعا غوتيريش إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مستفيدا من سلطات الأمين العام للأمم المتحدة لممارسة دوره في التحذير من التهديدات التي قد تؤثر على السلم والأمن الدوليين.

وأحاط غوتيريش مجلس الأمن بالقضايا العاجلة، وقدّم توصيات للتدخل، ودعا إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية وإنسانية، معتمدا في ذلك على المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة.

كما زار غوتيريش في الشهر ذاته معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة ضمن جهوده الأممية لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. وأكد في أثناء الزيارة أن شاحنات الإغاثة تمثل فرقا بين الحياة والموت للملايين العالقين داخل القطاع، داعيا إلى تسريع دخول المساعدات وتخفيف الأزمة الإنسانية. وشكل هذا الظهور جزءا من جهود الأمم المتحدة لتحريك الدعم الدولي وتنسيق المساعدات العاجلة.

الجوائز والتكريمات

نال أنطونيو غوتيريش طوال مسيرته عددا من الجوائز والتكريمات تقديرا لإسهاماته في السلام والعمل الإنساني والدبلوماسية الدولية، ومن أبرزها:

  • جائزة الشيخ زايد للأخوّة الإنسانية، التي مُنحت له عام 2021 تقديرا لتعزيز الأخوة الإنسانية والتفاهم بين الشعوب عالميا.
  • جائزة كارل الخامس الأوروبية، سلمتها له أكاديمية يوسْتي الأوروبية والإيبروأمريكية عام 2023، تقديرا لدوره في تعزيز التكامل الأوروبي والتعاون متعدد الأطراف.
  • جائزة جامعة كويمبرا، منحت له عام 2022 تكريما لإسهاماته في السلام والتضامن الاجتماعي ودعم اللاجئين والتعاون الدولي.
  • جائزة خريجي المعهد التقني العالي، تسلمها عام 2025 تقديرا لمسيرته السياسية والأممية والقيم التي مثلها باعتباره خريجا للمؤسسة.
  • وسام اليوبيل من تركمانستان، منح له عام 2024، تكريما لإسهاماته في تعزيز التعاون الدولي والسلام.
  • جائزة أتاتورك الدولية للسلام، مُنحت له عام 2025 في أثناء احتفالات عيد الجمهورية التركية في أنقرة تقديرا لدوره في السلام العالمي.
المصدر: الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية

إعلان