صنع الله إبراهيم.. الأديب الذي اتخذ السجن جامعة والمواقف بيانا سياسيا

صنع الله إبراهيم، الذي استهل مسيرته المهنية صحفيًا في وكالات الأنباء ،ظل طوال رحلته الأدبية وفيا لروح الصحفي التي شكلت ملامح قلمه ورؤيته

غيبت براثن الموت الكاتب والأديب المصري صنع الله إبراهيم وقد بلغ 88 عاما، بعد صراع مع المرض، فكان ذلك خسارة كبيرة للساحة الأدبية العربية، فقد قدَّم بمسيرته الطويلة أعمالا روائية وقصصية، أصبحت علامات مضيئة في المكتبة العربية، وأثّر على أجيال من الكُتّاب والمبدعين.

وقد تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية، كما ترجم هو مختارات قصصية للكاتبات "دوريس ليسينغ"، و"إدنا أوبراين"، و"مارلين فرنش"، و"فرانسواز ماليه"، في كتاب بعنوان "التجربة الأنثوية".

في أيامه الأخيرة، نقل إلى أحد مستشفيات القاهرة مصابا بكسر في الحوض، بعد مناشدة المثقفين أجهزة الدولة المصرية توفير الرعاية الطبية اللازمة للأديب الكبير.

وزير الثقافة المصري د. أحمد فؤاد هنو، زار الأديب صنع الله إبراهيم بمعهد ناصر للاطمئنان على حالته الصحية في يوليو/ تموز 2025، وكان الراحل قد أمضى مدة في المستشفى منتصف العام نفسه إثر إصابته بنزيف داخلي وكسور في الحوض

وقبل أن يرحل، كان يقرأ كتابا لم يكن مجرد صفحات تتحرك بين يديه، بل رحلة تاريخية تغوص في عمق المعاناة الإنسانية، وتستحضر ذاكرة العبودية في أمريكا، وهي رواية "نسب" للكاتبة "أوكتافيا بتلر"، بترجمة الفلسطينية منى كريم.

ولم يكن ذلك تسلية ولا قراءة عابرة، بل غوصا في عمل أدبي قضت مؤلفته 10 أعوام في بنائه، بين مذكرات العبيد والوثائق الرسمية وسجلات الجمعيات التاريخية، وحتى زيارات ميدانية لولاية ماريلاند، حيث دارت أحداث الرواية.

وقد نعاه وزير الثقافة المصري د. أحمد فؤاد هنو، قائلا إن رحيله ترك فراغا في المشهدين الأدبي والإنساني، وإرثا خالدا سيبقى حاضرا في وجدان الثقافة المصرية والعربية، وإنه كان من أعمدة السرد العربي المعاصر.

منذ أن أطل على المشهد الأدبي بروايته الأولى "تلك الرائحة" عام 1966، ظل صنع الله إبراهيم حاضرا بقوة، يفرض نفسه بقلمه ومواقفه السياسية المعارضة، لتغدو كل إطلالة أدبية جديدة له حدثا يثير الجدل

ونعاه صديقه الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد بكلمات مؤثرة، على حسابه في فيسبوك، قائلا: يا إلهي، رحل صنع الله إبراهيم، كل كلام الدنيا لا يكفي تعبيرا عن حزني يا معلمنا وصديق العمر الجميل. إلى جنة الخلد يا صنع الله يا حبيبي. الدموع تجعلني لا أرى يا حبيبي.

وفاة الأب المربي.. منعطف حاد يقود إلى المعتقل

وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937م، وكان لوالده فضل كبير في تكوين شخصيته الأدبية، فقد زوده بالكتب والقصص، وحثه على الاطلاع منذ الصغر، وقد درس الحقوق في الجامعة، لكنه سرعان ما اتجه إلى الصحافة والسياسة، وانتمى إلى المنظمة الشيوعية المصرية "حدتو".

إعلان

ولما مات عنه أبوه عام 1955، تغيرت حياته وبدأ ينغمس أكثر في العمل السياسي السري، وتنظيمات الشيوعيين المصريين، بعدما أهمل دراسته في كلية الحقوق، فاعتُقل في 1959، ولم يزل في المعتقل حتى منتصف 1964.

يصف إحساسه البكر بيومياته السريعة، التي دأب على كتابتها بعد خروجه من المعتقل، وشكّلت في ما بعد روايته الأولى "تلك الرائحة". في مقدمته للطبعة الثالثة للرواية (دار الهدى، 2003)، يقول: كان ثمّة تيار خفي في ذلك الأسلوب التلغرافي الذي لا يتوقف ليتمعن، ولا يعنى بانتقاء المترادفات، أو سلامة اللغة، أو مداراة القبح الذي يصدم النفوس الحساسة.

انشغل صنع الله إبراهيم برصد ملامح المثقف القادم من الطبقة الوسطى، بما يحمله من صراعات داخلية وتناقضات حادة، لا سيما في القضايا الإنسانية والوجودية. جاءت لغته شديدة الاقتصاد، بعيدة عن الزخرفة اللفظية، تنبض ببساطة السرد اليومي وواقعيته

هذه السطور تستعيد الهجوم العنيف الذي شنّه الكاتب المصري يحيى حقي على رواية "تلك الرائحة" بعد صدورها في 1966، فقد كتب في عموده الأسبوعي بجريدة "المساء" معبرا عن نفوره من الرواية، وتقزّزه من المشاهد الماجنة التي غرق فيها الراوي، فقال: تقززت نفسي من هذا الوصف الفيزيولوجي تقززا شديدا، لم يُبق لي ذرة من القدرة على تذوّق القصة رغم براعتها.

ثم أنهى بجملته القاطعة: إنني لا أهاجم أخلاقياتها (الرواية)، بل غلظة إحساسها وفجاجته وعاميته، هذا هو القبح الذي ينبغي محاشاته، وتجنيب القارئ تجرّع قبحه.

اسم من وحي القرآن

لم تكن تجربة المعتقل وحدها هي التي جعلت صنع الله إبراهيم كاتبا، فقبلها كانت طفولته الاستثنائية، فقد كان عليه منذ يومه الأول أن يحمل اسما غير مألوف، وقع تحت إصبع أبيه بالمصادفة، وهو يستخير الله لتسمية وليده، فكانت الآية 88 من سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، إشارة للأب أن يكون اسم وليده "صنع الله".

لما بدأ الطفل يعي بالعالم من حوله، اكتشف أن أباه قد تجاوز الستين، وأنه أقرب إلى هيئة الجد منه إلى صورة الأب، ثم أدرك أيضا أن له أخوين من أبيه من زواج سابق. وفي افتتاحية روايته "التلصص" (المستقبل العربي، 2007)، يرسم ملامح أبيه المسن بلغة مشهدية دقيقة، قائلا:

يتمهّل أبي في مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده إلى فمه، يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين إلى أعلى. يتأكد من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء المطفأة من ركن فمه، ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل، يبسط أساريره لتتلاشى تجاعيد جبهته، يرسم ابتسامة على شفتيه، يقبض على يدي اليسرى، ونتلمس طريقنا في ضوء الغروب".

"السجن جامعتي أما أبي فهو المدرسة"

تصبح علاقة الأب بابنه صداقة وتشجيعا متواصلا على القراءة، حتى أنه كان يرى أن والده هو المدرسة الحقيقية التي تخرّج فيها.

شكل السجن خلفية أساسية لمعظم وقائع روايات صنع الله إبراهيم، انطلاقا من تجربة استهلكت جزءا كبيرا من حياته

يقول في افتتاحيته لكتابه عن سيرته الذاتية "يوميات الواحات" (2005): السجن هو جامعتي، ففيه عايشت القهر والموت، ورأيت بعض الوجوه النادرة للإنسان، وتعلّمت الكثير عن عالمه الداخلي وحيواته المتنوعة، ومارست الاستبطان والتأمّل، وقرأت في مجالات متباينة، وفيه أيضا قررت أن أكون كاتبا. أما أبي فهو المدرسة.

إعلان

وبعد خروجه من السجن، عمل في وكالة الأنباء المصرية عام 1967 قليلا، ثم انتقل إلى وكالة الأنباء الألمانية في برلين الشرقية عام 1968، فعمل فيها 3 سنين، ثم قصد موسكو لدراسة التصوير السينمائي وصناعة الأفلام. وعاد إلى القاهرة عام 1974، وتفرغ للكتابة الحرة عام 1975.

التوثيق التاريخي.. روايات تعبق بشواهد الحقبة

تميز إنتاج صنع الله إبراهيم الأدبي بالتوثيق التاريخي، والتركيز على الأوضاع السياسية في مصر والعالم العربي، ناهيك عن سرد كثير من تفاصيل حياته الشخصية.

ففي رواية "ذات" مثلا، حرص على أن يضع مع كل فصل ثبتا ببعض الأحداث والأخبار الواردة في الصحف من زمن العمل الروائي، لرسم ملامح المفارقات والسخرية، مع لمسة نقد سياسي لا تخطؤها العين.

رواية "أمريكانلي" تروي تجربة أستاذ جامعي مصري في سان فرانسيسكو 1998، يعيش صراعا مريرا بين الغربة والوحدة والاختلاف الثقافي. رواية تجمع بين السرد الأكاديمي والهامش الاجتماعي والسياسي، محافظة على روح النص وإيقاعه المميز

لا شك أن هجوم يحيى حقي الحاد على رواية "تلك الرائحة"، جعل صنع الله يدرك منذ بدايته درسا مهما، وهو أنه لن يستطيع إرضاء الجميع، وأن عليه أن يثق بالشكل التوثيقي الذي اختاره لكتابته.

يعتمد ذلك الشكل أساسا على الكتابة الراصدة لكل التفاصيل، المزوّدة بعشرات الوثائق والتصريحات والمواد الصحفية واليوميات، لتكون أساسا لفنه الروائي الذي كرسه لتأريخ مصر أدبيا إن صح لنا التعبير، على طريقة الجبرتي.

إنه الأسلوب الذي تأكّد لاحقا في أعمال روائية أخرى، منها:

  • نجمة أغسطس (1974).
  • اللجنة (1981).
  • بيروت بيروت (1984).
  • ذات (1992).
  • شرف (1997).
  • وردة (2000).
  • أمريكانلي (2003).

روائي نصب نفسه مؤرخا وعالم اجتماع

واصل صنع الله أسلوبه التأريخي المعتمد على السجلات والصحف، فقدم عددا من أعماله السيرية والروائية، فمنها "يوميات الواحات" (2005)، و"العمامة والقبعة"، التي اتخذ فيها شخصية الجبرتي الحقيقية من شخوص الرواية، و"القانون الفرنسي" (2008)، فجعل مسيرته الروائية أشبه بسجل لتاريخ مصر المعاصر، بدءا من الحملة الفرنسية، إلى لحظتنا العربية الراهنة.

يقول الكاتب ماهر بسيوني إن رؤية صنع الله للعالم مأساوية بعيدة عن التفاؤل، وتمجد الثورة، وهو ما أفرز أدبا حزينا، يعكس صدمة التحولات التي أصابت المجتمع

ويتحدث الناقد الأدبي محمد ماهر بسيوني عن مراحل تطور صنع الله، في كتابه "التأويل السردي لتحولات المجتمع المصري في روايات صنع الله إبراهيم" (دار نوستالجيا، 2018)، فيميز بين 3 مراحل في تطور رؤيته للعالم؛ رؤية الاغتراب الجزئي "تلك الرائحة، ونجمة أغسطس"، ورؤية الاغتراب الكامل "اللجنة"، ورؤية الاستلاب والمجتمع المتشيئ "ذات" و"شرف".

وهي رؤية تطورت في تناظرها مع التحولات المتسارعة لبنية المجتمع المصري، وعبر عنها الكاتب بوعي تشكيلي، وحساسية التقلبات الفكرية القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، الذي ينتقي شخصيات رواياته منهم، بوصفهم نماذج وأيقونات رمزية، يحلل بعرض حياتهم ومصائرهم بنية المجتمع المصري، وما أصابها من تغيرات حادة.

تمزج روايات صنع الله إبراهيم بين السرد الفني والتوثيق التاريخي، وتبرز تحولات المجتمع العربي في السياسة والحرب والحياة اليومية

يقول الناقد بسيوني إن صنع الله أعطى نفسه "صلاحيات عالم الاجتماع والمؤرخ"، فصار عمله الروائي متعدد النصوص أشبه ببحث اجتماعي، لا تنقصه النظرة العلمية، لا سيما وقد صقله بوثائق اجتماعية وتاريخية وإحصاءات اقتصادية، وبناه بأدوات معاصرة تتوافق مع زمنه، فتجاورت في نصه علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، مندمجة مع آليات فنون أخرى، منها المونتاج السينمائي، والكولاج التشكيلي، والمقالة، والمسرح، وفنون الفرجة، والكرنفال الشعبي.

رفض جائزة تضامنًا مع فلسطين

من أكثر مواقف صنع الله إبراهيم إثارة للجدل، رفضه تسلم جائزة ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي عام 2003 في دورتها الثانية، وهي جائزة يمنحها المجلس الأعلى للثقافة بمصر، وقد برر ذلك بمعارضته سياسات القمع والتطبيع وغياب العدالة الاجتماعية.

إعلان

وكان موقفه ذلك بيانا سياسيا أكثر من كونه موقفا أدبيا، فقد وقف على المنصة ليقول إن السلطة لا تمنح الشرعية للمثقفين، بل إن المثقف هو من يحاكم السلطة، وكان ذلك في أعقاب غزو العراق، وكان يريد الربط بين الداخل والخارج، وبين المثقف والضمير القومي.

بلغ حضور صنع الله إبراهيم الأدبي الممزوج بالاشتباك السياسي ذروته عام 2003، حين اعتلى منصة التتويج في دار الأوبرا المصرية، ليرفض جائزة الرواية العربية، ملقيا خطابا سياسيا حاد اللهجة

وقال يومئذ في كلمة وزعها على المجتمعين: في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا، تجتاح القوات الإسرائيلية ما بقي من الأراضي الفلسطينية، وتقتل النساء الحوامل والأطفال، وتشرد الآلاف، وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بُعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بُعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا.

وتذكر تقارير صحفية أنه فور انسحابه، توجه وزير الثقافة يومئذ فاروق حسني إلى المنصة ليلقي كلمة قصيرة، واعتذر لأعضاء لجنة التحكيم، مشيدا بجهدهم في هذا "الاختيار الجيد".

وقد نقلت الصحف عن الوزير قوله: هذه الجائزة لم تمنحها له الوزارة ولا الحكومة، بل منحتها لجنة من الأدباء العرب، ترأسها الأديب السوداني الكبير الطيب صالح، وهي جائزة استحدثناها في المجلس الأعلى للثقافة للرواية والشعر العربي.

وبعيدا عن هذه الجائزة، نال صنع الله جوائز أخرى مهمة، منها "جائزة ابن رشد للفكر الحُر" عام 2004، و"جائزة كفافيس للأدب" عام 2017.

روايات لا تُنسى

يمكن القول إن صنع الله إبراهيم كان من أعمدة الرواية المصرية والعربية، ولعل من أشهر الأعمال الأدبية التي أبدعها ما يلي:

  • شرف (1997)

نجحت هذه الرواية نجاحا كبيرا، وهي تحكي قصة دخول الطالب الجامعي أشرف السجن في جريمة قتل دفاعا عن شرفه، وفي السجن المليء بالفساد والإفساد، والظلام والإظلام، يستسلم أشرف في النهاية لهذا العالَم المخيف عديم الشرف.

أعمال روائية بارزة لصنع الله إبراهيم، تكشف ملامح الإبداع المتمرد، وتطرح أسئلة جريئة عن السلطة والحرية والواقع العربي.

إنها تجربة مريرة فاضحة، قدَّمها صنع الله ببراعة فائقة، حتى استحقت أن تحتل المركز الثالث في قائمة اتحاد الكتاب العرب لأفضل مئة رواية عربية، التي نُشرت عام 2001.

فمن خلال "شرف"، يقتحم كاتبنا عالَم السجون، ليقدِّم لنا كل صور التعذيب وانتهاك آدمية الإنسان، ويرفع الستار عن أكذوبة انتصاراتنا الوهمية، وعن أكذوبة الاقتصاد العالمي، والشركات المتعددة الجنسيات، ولا سيما شركات الأدوية التي تتخذ دول العالم الثالث سوقا رائجة، لتربح المليارات من أرواح ملايين المرضى من الشعوب البائسة.

تنتمي الرواية إلى أدب السجون، وتعد وثيقة مهمة لظلامية المرحلة.

  • ذات (1992)

تدور أحداث هذه الرواية الاجتماعية حول قصة حياة امرأة مصرية تدعى ذات، وترصد التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت منذ ثورة 1952، حتى نهاية القرن، وقد صُورت مسلسلا تليفزيونيا باسم "بنت اسمها ذات"، وترجمها إلى الإنجليزية "أنتوني كولدربانك".

رواية "ذات" لصنع الله إبراهيم، سيرة امرأة تعكس تحولات مصر الحديثة، انتقلت من صفحات الأدب إلى الشاشة في مسلسل تلفزيوني أسَر قلوب الملايين، عرض في رمضان 2013، من بطولة نيللي كريم

"ذات" هي الرمز الذي حاول صنع الله أن يصور به المجتمع المصري، الذي يموج بقيم ومعتقدات تتحكم بفكره وبحياته، وفي الرواية يتداخل الخيال والواقع، ويتداخل الرمز والحقيقة، لتجسيد أبعاد إنسانية عبّر عنها صنع الله بأسلوب يقرب "ذات" من كل ذات، فهي الحقيقة المتوارية خلف الذات.

  • رواية "67" ترى النور بعد نصف قرن

جاءت رواية "67" لتُلقِي بظلالها على هزيمة مصر في هذا العام، لا الهزيمة العسكرية أو السياسية فحسب، بل الهزيمة بمعناها الأوسع، التي تشمل الحالة النفسية والفكرية والمجتمعية، وانعكاس ذلك على أفراد الرواية في حالة عدم المُبالاة والتيه التي يعيشونها، واليأسِ الكامن في نفوسهم.

فراح صنع الله يسرد ببطل الرواية يوميات عام 1967، ويستعيد كلَّ ما عاشه في هذا العام، ويحلل الظروف والأسباب التي أدت إلى الهزيمة، وكيف كان المجتمعُ على موعد معها. ولعل سفره إلى بيروت وكتابته هذه الرواية فيها دليل على حالة الألم والضيق، اللذين كان عليهما المجتمعُ آنذاك.

إعلان

جدير بالذكر أن هذه الرواية ظلت حبيسة الأدراج نحوا من نصف قرن، حتى سُميت الرواية المنسية، ولم تخرج إلى النور إلا عام 2015.

  • بيروت بيروت (1984)

يسافر صنع الله في هذه الرواية إلى بيروت، للبحث عن ناشر لكتابه، فيُفاجأ بنسف مقر الدار أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وسفر مالكها إلى الخارج، ثم يتعرف على ممثلة ومخرجة، ويبدأ كتابة نصوص فيلم وثائقي عن الحرب، يرسم به صورة حية من بيروت، المدينة العربية التي حملت الحب والحرب في رحمها، فجمعت بين الحياة والموت.

تتجلى عبقرية صنع الله في اختياره الفريد لزمن الرواية، إذ يتخذ هذه الحرب سياقا زمنيا لها، ليسلط الضوء على تأثيرها على المجتمع اللبناني، ويركز فيها على تفاصيل الحياة اليومية، والمعاناة التي يعايشها الشعب اللبناني.

وكانت فكرةُ التعليق الصوتي على فيلم يتناول الحرب الأهلية طريقة مبتكرة في السرد الروائي، استطاع بها تصويرَ كثير من الحقائق التاريخية وتوثيقَها، فجاءت الرواية عملا بحثيا رصينا، وروائيا بديعا.

رواية «اللجنة» من أبرز أعمال صنع الله التي حطمت القوالب المعتادة في السرد العربي الحديث، فهي تنسج ببنيتها التجريبية وتحليلها العميق آليات السلطة والاستلاب
  • اللجنة (1981)

تجاوز هذا العمل الفريد صفة المحلية، فأصبح رواية عالمية بامتياز، فبنزعة "كافكاوية" (نسبة إلى الكاتب فرانس كافكا) سيطرت عليه في نهاية السبعينيات، أيام الانفتاح الاقتصادي، والإمبريالية الرأسمالية العالمية، والشركات المُتعدِّدة الجنسيات، وتقويض القومية العربية، بدأ يرسم لوحة عالمية محملة بكثير من الرمزيات المُتعدِّدة الدلالات، وكثير من التأويلات والقراءات، تدفعك لقراءتها عدة مرات، فمن الصعب أن تستوعب هذه الأفكار المكثفة في جرعة واحدة.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان