في قواميس اللغة، "السلام" هو حالة من الهدوء والأمان، هو غياب النزاع وطمأنينة القلب. ولكن، هنا في بقعة جغرافية صغيرة تسمى غزة، أعيدت كتابة القاموس بالدماء والدموع! هنا، السلام ليس طمأنينة، بل هو مجرد "استراحة محارب"، أو صمت مؤقت لآلات الموت، يتبعه ترقب مرير لما هو آتٍ.
أنا لست هنا لأروي لكم قصصا من وحي الخيال، بل أنا هنا لأكون عينكم التي ترصد الحقيقة، وأذنكم التي تسمع أنين الركام. أكتب إليكم من قلب المعاناة، لا لأطلب الشفقة، بل لأطرح سؤالا واحدا هز أركان وجودنا: أهذا سلام؟!
أكتب سطوري الأخيرة هذه، ولا أعرف إن كان صدى كلماتي سيصل إليكم قبل أن تُطوى صفحة أخرى من حياتنا، لكنني أكتب لأن الكلمة أمانة
غزة التي لا يعرفها العالم (الإنسان خلف الخبر)
يتصور كثيرون ممن يشاهدون غزة عبر شاشات التلفاز أنها مجرد "ساحة حرب" أو "مخيم كبير"، لكنني أنا، مرام أحمد، ولدتُ ونشأتُ في تفاصيلها، وأعرف وجهها الآخر الذي لا تلتقطه العدسات.
في أحياء غزة، وتحديدا في حي "القرارة" حيث نشأت، لا توقظنا ضوضاء المدينة، بل حفيف أشجار الزيتون المعمرة وزقزقة العصافير. غزة كانت مدينة تعشق الجمال؛ فيها الجامعات، والمسارح، والأسواق النابضة.
كنا نخطط لمواسم الحصاد، ونحتفل بقطاف الزيتون كأنه عرس وطني. السلام بالنسبة لنا كان في تلك التفاصيل الصغيرة؛ في ذهاب الأطفال لمدارسهم دون خوف، وفي بقاء أشجارنا شامخة لا تقتلعها الجرافات.
يوميات تحت النار (حين يغيب الأمان)
لكن المشهد تبدل، ولم تعد العصافير هي التي يوقظنا، بل صار الفجر يأتي محملا بصوت الانفجارات التي تهز الأرض تحت أقدامنا.
لقد رأيت كيف يتبدل لون السماء من الأزرق الصافي إلى رمادي كئيب يسكنه الرصاص والدخان.
اليوميات تحت النار ليست مجرد "أخبار" تشاهدونها؛ إنها الساعات الطويلة من الانتظار، حيث يتحول كل صوت لارتطام إلى تساؤل مرعب: "هل جاء دورنا الآن؟".
الحياة تحت النار تعني أن يصبح شرب كوب من الماء النظيف معجزة، وأن يصبح الحلم الوحيد هو "ليلة واحدة من النوم دون كوابيس". وهنا أسأل كل من يقرأ كلماتي ببرود: أهذا سلام؟! أن تحاصَر مدينة كاملة، ويُمنع عنها الضوء والهواء، ويُطلب منها أن تصمت وتموت بهدوء؟
نحن لم نعد ننتظر من العالم إنقاذنا، بل صرنا نحن من يعلق على جدار التاريخ دروسا في معنى الحرية والحياة
أبجدية الصمود (الحياة من قلب الموت)
رغم هذا الوجع، نحن في غزة لا نموت فقط، نحن نولد من جديد مع كل فجر. الصمود هنا فعل يومي؛ هو الطبيب الذي يُجري العمليات على ضوء هاتفه المحمول، وهو المعلم الذي يجمع الأطفال بين الخيام ليعلمهم الحروف، والأم التي تخبز على نار الحطب بابتسامة صابرة.
لقد حاولوا انتزاع الألوان من حياتنا، فصبغنا جدران النزوح بالأمل! نحن لم نعد ننتظر من العالم إنقاذنا، بل صرنا نحن من يعلق على جدار التاريخ دروسا في معنى الحرية والحياة. سلامنا لن يكون صمتا، بل أن نعيش بكرامة فوق أرضنا، أو نموت ونحن متمسكون بترابها.
رسالة إلى الضمير العالمي (الكلمة الأخيرة)
أكتب سطوري الأخيرة هذه، ولا أعرف إن كان صدى كلماتي سيصل إليكم قبل أن تُطوى صفحة أخرى من حياتنا، لكنني أكتب لأن الكلمة أمانة.
أسألكم مرة أخرى، وليكن هذا السؤال هو الصدى الذي يطارد ضمائركم: أهذا سلام؟! إن غزة اليوم هي اختبار لضمير العالم. نحن باقون كجذور الزيتون، وشامخون كبحر غزة الذي لا يتوقف عن الموج.
رسالتي للعالم بسيطة: لا تعتادوا المشهد، لا تألفوا دماءنا، ولا تصدقوا أن ما يحدث لنا لا يمكن تغييره. التغيير يبدأ بكلمة حق، وينتهي بعدالة حقيقية تمنحنا السلام الذي نستحقه، لا السلام الذي يفرضه القوي على الضعيف.
تلك كانت حكايتي.. أهذا سلام؟!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

