إبراهيم دياز ورقم 10: بين المجد والعبء

إبراهيم دياز لاعب ريال مدريد ومنتخب المغرب (مواقع التواصل)
إبراهيم دياز لاعب ريال مدريد ومنتخب المغرب (مواقع التواصل)

الرقم عشرة في كرة القدم ليس مجرد رقم عادي، بل له ثقل تاريخي ورياضي يجعله من أكثر الأرقام أسطورية في الميدان الرياضي عموما، وفي ملعب الساحرة المستديرة على وجه الخصوص.

هذا الرقم لا يمنح إلا للاعبين الذين يحملون جينات كروية فوق الطبيعة: موهبة خارقة، قدرة فنية استثنائية، قيادة مؤثرة، أو مزيجا من ذلك. وليس غريبا أن حامليه عبر التاريخ كانوا أساطير حقيقيين، مثل بن مبارك، وبيليه، ومارادونا، وميسي، وبلاتيني، وزيدان، ورونالدينيو، وباجيو وغيرهم، كل يبدع بطريقته، ولكل نكهة خاصة تقترب أحيانا من نموذج العشرة البيلية أو العشرة المارادونية.

لعنة المقارنات واجهها لاعبون آخرون، من أمثال ميسي قبل تحقيقه حلم كأس العالم. هل يعقل للاعب مثل ميسي ألا يحمل كأس العالم مثل العظماء؟

العشرة البيلية والعشرة المارادونية

سيكولوجية الرقم عشرة تخاطب في الآن نفسه الجانبين المتناقضين: المجد واللعنة، وكأن الأمر يتعلق بأن حاملي هذا الرقم لا بد أن يتذوقوا طعم هذه المفارقة المريرة. فبالقدر الذي يمنح الرقم عشرة نجومية فوق العادة لصاحبه، بالقدر نفسه يضع على كتفي اللاعب مسؤوليات جسيمة، من صناعة اللعب، وتسجيل الأهداف، وتحفيز الزملاء، وإمتاع الجمهور.

وفي المقابل، يحمل هذا الرقم لعنة في بعض الأحيان، تتجلى في قصص الإصابات، والجوانب الشخصية الصادمة، والضغوط الخارقة التي أنهت مسارات بعض النجوم.

أمثلة متعددة تؤكد ذلك، من بينها إصابة بيليه في كأس العالم 1962 في تشيلي، واللقب الذي فازت به البرازيل في غياب الجوهرة السوداء، الذي تابع البطولة تحت لعنة الإصابة. كما تحولت حياة مارادونا العامة إلى ما يشبه كتابا مفتوحا بكل تفاصيلها، تحت ضغط نجومية كاسحة.

لكن، هل كانت إصابة مثل التي أصابت بيليه في كأس العالم لتسمح للأرجنتين بحمل اللقب العالمي في المكسيك سنة 1986؟ حتما لا، حسب المختصين.

إعلان

وهذا ما يجعل العشرة البيلية مختلفة نوعا ما عن العشرة المارادونية، ليس في حجم الموهبة، بل في حجم القيادة. فاللعنة يكرسها مارادونا نجما فوق العادة، يستقبل في نابولي استقبال الأبطال عند إمضاء عقده، وحين يغادر المدينة يغادرها وحيدا، وحدة كرست أيضا يوم رحيله عنا سنة 2020.

ولعنة المقارنات واجهها لاعبون آخرون، من أمثال ميسي قبل تحقيقه حلم كأس العالم. هل يعقل للاعب مثل ميسي ألا يحمل كأس العالم مثل العظماء؟

إن القيادة المؤسسية داخل الميدان، ذلك البعد الذي يجعل اللاعب مرجعا يقود الفريق في أصعب اللحظات، لم يتأكد بعد في حالة دياز

دياز بين عبء كأس أفريقيا ومجد كأس العالم

في السياق المغربي، قلة هم من حملوا الرقم عشرة بمعناه التقليدي في صفوف المنتخب الوطني. نادرة هي شخصية اللاعب الواحد الذي يجمع بين الإبداع التقني والقيادة الساحرة، في زمن اتسم باللعب الجماعي والتكتيكي المتطور، الذي قلص مساحة الاعتماد على نجم واحد، مع تقزيم الإبداع الفردي وتبجيل الجماعي، في لعبة باتت علما يدرس أكثر مما هي فنيات بالفطرة.

وإذا صح أن دياز أصبح يحظى بهذا القميص بعد زمن بن مبارك، وفرس، والتيمومي، فذلك يعود جزئيا إلى كون هذا البروفايل الكروي قل وجوده عالميا.

ورغم أن الثقافة الكروية المغربية لاتينية بامتياز، تجعلها قريبة من اللعب البرتغالي والبرازيلي أو الأرجنتيني أكثر من غيرها، وبالرغم من كونها بيئة قابلة لإنتاج هذا البروفايل الكروي، فإن تاريخ المستديرة لم يسعف المغرب في أن تفرز منظومته الكروية لاعبين كثرا من هذا الطراز.

مهارات دياز الفنية لا يختلف عليها كثيرون؛ فاللاعب يملك القدرة على اللعب تحت الضغط، وصناعة الفرص، وربما تسجيل الأهداف في لحظات حاسمة، ما يقربه من نماذج العشرة الفذة.

لكن ما ينقصه حتى الآن، وربما هو الفارق الحاسم، هو البعد القيادي الذي أَسْطرته أمثلة كمارادونا، والذي كان مجرد حضوره يحول أي فريق، كيفما كان مستواه، إلى قوة تضيف له هيبة وكاريزما، وتجعل الخصوم والإعلام وحتى الأطراف التحكيمية يعيدون حساباتهم أمامه.

مارادونا لم يكن مجرد لاعب تقني، بل كان ظاهرة اجتماعية سيكولوجية تتجاوز رقعة الملعب إلى مختلف ميادين الحياة الأخرى.

على مستوى الجمهور المغربي، ترى الأنظار دياز من زاوية الملهم والمنقذ، الذي قد يخرج المنتخب من عقدة النتائج في المسابقات القارية. مواقفه الحاسمة في بعض المباريات الودية والرسمية قبل كأس أفريقيا، مثل التسجيل في اللحظات الحرجة، أعطت لمحات من الشخصية المطلوبة، واستحضرت تشابها مع مواقف تاريخية لنجوم كبار، مثل زيدان في نهائي كأس العالم سنة 2006، عندما سدد بانينكا في غاية الثقة في النهائي المونديالي الشهير.

ومع ذلك، فإن القيادة المؤسسية داخل الميدان، ذلك البعد الذي يجعل اللاعب مرجعا يقود الفريق في أصعب اللحظات، لم يتأكد بعد في حالة دياز.

هل سنراه في كأس العالم المقبلة بطعم بيليه، كلاعب فذ لا يملك سمات قيادية بارزة نظرا لوفرة النجوم البرازيليين آنذاك، مثل غارينشا، وفافا، وجيرزينيو، وريفيلينو، وديدي، وكارلوس ألبرتو الذي حمل شارة القيادة سنة 1970، أم في صيغة مارادونا الملهم القائد؟

إعلان

الإجابة ليست حاسمة، وتخضع لظروف عديدة، من بينها المحيط باللاعب وبيئة الفريق الوطني المغربي. هناك عوامل قد تبرز ملامح قيادية لدى دياز، مثل الثقة التي تمنحه إياها الإدارة والجهاز الفني، ومنحه شارة القيادة، كما حدث تاريخيا مع مارادونا، حين أسند إليه تقليد شارة قيادة نابولي طواعية من جوزيبي بروسكولوتي، ثم تسلم شارة المنتخب لاحقا في كأس العالم 1986 من باساريلا، بعد خلافات كبيرة معه، وكأن القدر يهيئ لمجد الرقم عشرة أن يحظى بفرصته التاريخية، إذ لا أحد يستطيع إيقافه عندما يحين أوان بروزه.

نجاح المنتخب المغربي الأخير في قطر توقف أساسا على روح المجموعة، لكن مع هذه المواهب التي يزخر بها الفريق الحالي، ووجود لاعب موهوب يرتدي القميص رقم 10 مثل دياز، قد نشهد كأسا عالمية شبيهة بتلك التي تمكن فيها الرقم عشرة من البصم على كأس بطعم السحر والأسطورة

المونديال المقبل سيقام جزئيا في المكسيك، التي تبقى أرضا ذات رمزية في مسارات بعض النجوم العالميين، وفي ذاكرة المغاربة أيضا، من أول مشاركة مونديالية بالمكسيك سنة 1970، إلى أول تأهل لمنتخب عربي وأفريقي للدور الثاني من كأس العالم سنة 1986.

لكن ما لم يتحدد بعد هو ما إذا كان المغرب سيجد في دياز تجسيدا لرقم عشرة ملهم، يجمع بين فنيات التيمومي وسمات القيادة التي جسدها لاعبون مثل نور الدين النيبت، كل بطريقته، دون أن يرتدي الرقم عشرة.

ما يزيد شعبية كرة القدم وجنونها أنها غير خاضعة لمنطق ثابت؛ فقد يبرز لاعب في الهامش خلال بطولة ما، ثم يتحول إلى بطل قومي، وقد يلعن الهواء الذي ينفخها لاعبا ويرمي به إلى غيابات النسيان، والدخول إلى التاريخ من باب ضيق. أن يحظى منتخب وطني برقم عشرة بارز وفذ أمر لا يجود به القدر دائما، لكن إذا كانت سماته بارزة في لاعب ما، فإن تجريب القيادة العشرية قد يغير من التركيبة السيكولوجية للفريق ككل وبشكل جذري.

فالرقم عشرة ليس مجرد رقم، بل هو عدد أسطوري وملحمي، قد يخرج دياز كلاعب مغربي إلى العالمية، كأول لاعب عربي أفريقي يحمل كأس العالم، وهو حلم بات أقرب إلى الحقيقة بعد الإنجاز الكروي الخارق للمنتخب المغربي في كأس العالم الأخيرة بقطر.

في النهاية، يظل الرقم عشرة سحريا وأسطوريا، لكنه ليس وصفة جاهزة للنجاح. نجاح المنتخب المغربي الأخير في قطر توقف أساسا على روح المجموعة، لكن مع هذه المواهب التي يزخر بها الفريق الحالي، ووجود لاعب موهوب يرتدي القميص رقم 10 مثل دياز، قد نشهد كأسا عالمية شبيهة بتلك التي تمكن فيها الرقم عشرة من البصم على كأس بطعم السحر والأسطورة.

وفي هذا الإطار، إذا كان دياز قد ذاق مرارة لعنة الرقم عشرة في نهائي كأس أفريقيا، فهل سيكون مونديال 2026 موعد مجده ومجد أمة؟
بهذين العنصرين يكتمل اللغز، ويبقى السؤال مفتوحا، بانتظار آخر صافرة في الكؤوس العالمية التي سيشارك فيها دياز مستقبلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان