- في تجربة الفراق
حزن وشعور بالفقدان، وشوق وانغماس في الماضي، واستدعاء للذكريات.. مشاعر تصاحبها غصة، وربما بكاء شديد، أو حتى دموع تنهمر من دون ضابط! ردود أفعال لحالة الفراق التي ما من أحد إلا وعاشها.
الفراق حالة إنسانية كتبت على بني آدم، وطريق في مشوار حياته يجب أن يمر فيه؛ طريق كتب على لافتة في أوله: "المسار إجباري". ويختلف طريق عن آخر في قصره وطوله، بين فراق لا عودة بعده، وفراق مؤقت بعده نلقى من فارقنا، والفرق بينهما هو الفرق بين الفقد والغياب.
الفراق، ولو كانت له مقدمات، فإنه صادم؛ فحتى مع علمك المسبق بأن موعد الفراق قد حان، فإن حدوثه في حد ذاته صادم، فتجد ردة فعل غير التي كنت تتوقعها
ومن رحمة ربنا بنا أنه وضع لنا تمارين لنقوي النفوس في مجابهة ما يترك الفراق من أثر في النفس، بداية من النوم الذي وصفته الآثار بأنه "أخو الموت"، مرورا بالسفر القصير، صعودا إلى الهجرة ثم المنفى، وصولا إلى الموت.
الفراق تجربة مؤلمة تترك أثرها في المشاعر، ويمتد أثرها إلى الذاكرة، وتهدد منظومة شعورية قد تمس حالة الأمان النفسي؛ فالفراق يمس حالة استقرار نفسي توطنت، ومعها كانت تبني أحلاما، ومعها أيضا ذكريات نهرب إليها من الواقع في بعض الأحيان. إذ تتحول التفاصيل الصغيرة التي مرت مع من فارقت إلى طوق نجاة من واقع مؤلم، وعند الفقد تتحول هذه المحفزات الإيجابية نفسها إلى إبر واخزة تعذب المشاعر، وتزيدها ألما على ألمها.
الفراق، ولو كانت له مقدمات، فإنه صادم؛ فحتى مع علمك المسبق بأن موعد الفراق قد حان، فإن حدوثه في حد ذاته صادم، فتجد ردة فعل غير التي كنت تتوقعها، ردة فعل يملؤها الإنكار للواقع، ويغلفها الذهول، مع شعور بحالة فراغ مادي ومعنوي.
بذلك يتحول الواقع إلى حالة ألم مفاجئ، وشعور بالانكسار، وإحساس بالوحدة والاغتراب، حتى ولو كان العالم كله حولك. وتهيم في دنيا الذكريات رافضا الحاضر، وهناك من يدخل في حالة لوم للنفس، حاملا سوط الـ"لو" لجلد الذات، وكأن الجلد سيعيد من فارقه.
الفراق جرح مفتوح، لا يداويه إلا العلم والزمن. يقول إبراهيم ناجي: "كم من طعنة بالمداراة وبالوقت تهون"؛ أي: كم ألمٍ عالجته بالملاطفة والمسايسة، وتركت الوقت يداوي الألم مع هذا العلاج. ويبدأ هذا العلاج مع اللحظة الأولى للفراق؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، وإنما يؤتى الصبر بالعلم.
فالمسلم بين شكر وصبر، وكلاهما قدر كتبه الله على المؤمن؛ فإن علم أن الله قدر له الخير في كل حال، فإن الصبر في الضراء سيكون صاحبه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر".
قد يكون -الفراق- بداية إنسان جديد يدرك ما لم يكن يدركه في حالة وجود المفقود، ويستخرج من ذاته ما لم يكن ليبحث عنه في ظل حالة الاتكال التي كان يعيشها قبل الفراق والفقد
الفراق باب للذكريات لا ينغلق؛ فمع الفراق يستدعي المرء كل ما مر مع من فارق: الأماكن، والأصوات، والتفاصيل الصغيرة… فتبقى الذكريات حية رغم مرور الزمن، وهو ما يفتح معه بابا للألم.
ذلك ما فطن إليه الفاروق عمر، فواجهه بالحمد؛ فكان يقول: "ما أصبت بمصيبة إلا ورأيت لله علي فيها ثلاث نعم؛ الأولى أن الله هونها علي فلم يصبني بأعظم، وهو قادر على ذلك، والثانية أن الله جعلها في دنياي ولم يجعلها في ديني، وهو قادر على ذلك، والثالثة أنه يأجرني بها يوم القيامة". ولأن الفراق على الأغلب مصيبة، فإن علاجها عند عمر شافٍ.
مع ذلك، للفراق فوائد لمن ينظر؛ فهو يغير صورة الإنسان عن نفسه، فيتوقف عند أفعاله ويزنها، ويتوقف عند علاقاته ويحسبها، ويتوقف عند عاداته ويضبطها.
فالفراق يجعلك تقف عند الصورة النمطية التي رسمتها لنفسك وقدمتها للآخرين، والتي كانت في الغالب تعتمد على العلاقة مع من فارقت. ومن ثم يجعلك تقف عند أفعالك وتعيد وزنها، وبالتالي تعيد ضبط علاقاتك وفقا للصورة النمطية التي رسمتها لنفسك، وعليها وضعت محددات العلاقة مع الآخرين. ومن ثم قد يدخلك في حالة فراق محمودة، حالة فراق مع الذات القديمة، مدفوعة بتحولات كبرى، منطلقها هذا الفراق الذي ظننته سلبيا.
الفراق، وإن كان موجعا، يمكن أن يكون بداية؛ بداية وعي بالذات والوقت والمكان. قد يكون بداية إنسان جديد يدرك ما لم يكن يدركه في حالة وجود المفقود، ويستخرج من ذاته ما لم يكن ليبحث عنه في ظل حالة الاتكال التي كان يعيشها قبل الفراق والفقد. فقد يكون الألم وسيلة لإعادة اكتشاف الذات؛ فالفراق لا يقتل المشاعر، بل يعمقها، وهو دافع للتفكير والنظر… ها أنا أكتب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

