إننا، حين نتابع المشهد السياسي اليوم، نُصاب بحيرة وقلق وجودي عميق بشأن جدوى الفهم والتموضع في الساحة السياسية؛ إذ نرى خصوما صاروا حلفاء، وحلفاء أصبحوا خصوما، في تحولات سريعة لم نعهد لها مثيلا، تتبعها اصطفافات عالمية متقلبة، كما في مشاهد التطبيع المتسارع مع الاحتلال، أو الصمت المطبق تجاه مجازر غزة.
في هذا السياق المتشابك، وفي زمن تتبدل فيه المواقف كما تتبدل الولاءات، تُطرح علينا أسئلة وجودية: هل بقي للأفراد موقع مستقل خارج الاصطفاف؟ كيف نقرأ المشهد السياسي اليوم؟ من نؤيد؟ ومن نعارض؟ من على حق؟ ومن على باطل؟ من هو المصلح؟ ومن هو المفسد؟
كلها تساؤلات تغوص بنا في عمق العبثية السياسية المتبدية كضباب فوق قمم الجبال، تحجب الرؤية عن العامة والمثقفين على حد سواء، وتشل قدرتهم على اتخاذ موقف واضح، أو الإدلاء برأي مستقل، دون الخوف من الزج بهم في اصطفاف أيديولوجي معين لم يقصدوه أصلا.
لم يعد من الممكن ضبطُ نسق العبث والتمرد هذا، والمستند إلى الأيديولوجيا، أو احتواؤُه؛ فالفكرة الأيديولوجية، ككرة الثلج، تجر فكرة أخرى، والتبرير يجر تبريرا، والتحيز ينتج مغالطة تجر مغالطات
انطلاقا من هذه الإشكالية، لا بد من استعراض تاريخي لقراءة تطورات المشهد السياسي؛ فقد كان، في فترة الألفينات على وجه الخصوص، يجري وفق نسق تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية، تحقيقا لمكاسب المتعة واللذة والنفوذ.
غير أن هذا النسق تغير بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول (هجمات البرجين)، حيث تحول المشهد السياسي إلى نسق يقوم على التعدد والهيمنة، فبرزت أكثرية تسعى إلى السيطرة على فئات قليلة مستضعفة.
ومنذ 2019، أي مع بداية جائحة كوفيد-19، وحتى اليوم، شهد المشهد السياسي العالمي تحولا جذريا؛ إذ صار يتغذى على العبث والتمرد من خلال صراع الأيديولوجيات.. هذا الصراع أتاح القتل والدمار، بل والدفاع والتحصين، باسم مقدسات سياسية: الدين، والطائفة، والمذهب؛ فصارت تهمتك التي قد تستدعي قتلك أو معاداتك هي أنك تعتقد بمعتقد معين.
ولم يعد من الممكن ضبط نسق العبث والتمرد هذا، والمستند إلى الأيديولوجيا، أو احتواؤه؛ فالفكرة الأيديولوجية، ككرة الثلج، تجر فكرة أخرى، والتبرير يجر تبريرا، والتحيز ينتج مغالطة تجر مغالطات أخرى.
إنه نموذج عبثي بالفعل؛ فكلما انزلقت صخرة الأيديولوجيا، كما في أسطورة سيزيف لألبير كامو، نجد من يعيد رفعها إلى قمة الجبل، وهكذا في دائرة لا تنتهي.
ولا يبدو في الأفق القريب خلاص من هذا النموذج، إلا عبر انتصار أيديولوجيا على أخرى، كما كان الحال أيام الصراع بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الليبرالي.
ما نعيشه اليوم ليس إلا عودا على بدء، ولكن تحت شعارات دينية، رغم أن الأديان كافة- سواء السماوية أو الوضعية- حرمت القتل والانتحار. فأي دين نتبع؟ أهو "دين الإنسان المتوحش"، أم "دين الله" الذي يدعو إلى الحب، والحق، والخير، والجمال؟
إننا قد عدنا فعليا إلى الحروب الدينية، كما كانت في بدايات كل الحروب القديمة في زمن "الهلال والصليب"، ولكننا هذه المرة لسنا فقط في حالة دفاع أو ترقب، بل في حالة هجوم وتعبئة
إذا قرأنا المشهد السياسي المعاصر بهذا المنظار، يمكننا حينها أن نميز تقاطعات الأيديولوجيات في تفاصيلها الدقيقة. عندها فقط نستطيع أن نؤيد أو نعارض على المستوى الجزئي، ولكن من المستحيل أن نؤيد الاصطفاف الكلي ذاته، لأنه مبني على تقاطع أيديولوجي لا على تطابق في المبادئ أو القيم.
ولهذا، ستظل الصورة السياسية مبتورة وغير مكتملة. وعندما نسمع بمواقف متعارضة لدول عربية، نشعر بالتعاطف مع كلا الطرفين، لأن كلّا منهما يمتلك نسخته الأيديولوجية الخاصة، المقنعة له ولأنصاره.
هذا ما يدفعنا للقول، بجرأة ووضوح، إننا قد عدنا فعليا إلى الحروب الدينية، كما كانت في بدايات كل الحروب القديمة في زمن "الهلال والصليب"، ولكننا هذه المرة لسنا فقط في حالة دفاع أو ترقب، بل في حالة هجوم وتعبئة، وإن بفروق أكثر دقة وتعقيدا من ذي قبل.
ربما لا نحتاج إلى أيديولوجيا جديدة، بل إلى ضمير سياسي متجدد، لا يخجل من التساؤل، ولا يخشى من الحياد المؤقت، ولا يرضى بأن يُختزل في معسكر لا يمثل روحه ولا قيمه
إن ما نشهده اليوم لا يعد تحولا بالمعنى الدقيق للكلمة في المشهد السياسي المعاصر، بل هو "عود على بدء"، نستكمل من خلاله ما توقفنا عنده تاريخيا، ولكن هذه المرة بشكل أدق، ومنهجية أشد.
ختاما، في زمن تتبدل فيه التحالفات كما تتبدل الأقنعة، يصبح الوعي النقدي أداة مقاومة، لا رفاهية ثقافية. وإن لم نُعد بناء وعينا على أساس من التعدد الأخلاقي والموقف التحليلي، فسنظل أدوات في صراعات لا نفهمها، ونُستنزف في حروب لا نملك فيها قرار الاصطفاف.
ربما لا نحتاج إلى أيديولوجيا جديدة، بل إلى ضمير سياسي متجدد، لا يخجل من التساؤل، ولا يخشى من الحياد المؤقت، ولا يرضى بأن يُختزل في معسكر لا يمثل روحه ولا قيمه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

