- الكاميرا المغتالة: مشهد مألوف!
لفت انتباهي أثناء متابعتي أحداث الحرب المستعرة في فلسطين عامة، وغزة خاصة، اغتيال مجموعة من الصحفيين التابعين لمنصات إخبارية نزيهة وشريفة، ممن لم يحملوا سوى كاميرات تنقل الصورة والصوت هناك في غزة المنكوبة.
وآخر اغتيال شهدته الحرب هو اغتيال الصحفي أنس الشريف (29 عاما)، مراسل الجزيرة. ولم يكن هذا حدثا عارضا أو حادثا يمكن تجاوزه بتعزية أو بتأسف، وذلك لسببين:
- الأول: لأنه حدث محسوب ومدروس، ينضوي تحت السياسة الإسرائيلية الممنهجة لإسكات الشهود، والسيطرة على الرواية، وتحريف سردية الحرب.
- الثاني: لأنه حدث متكرر ومعتاد؛ فإسرائيل تقتل صحفيا كل ثلاثة أيام، وخلال ما يزيد عن 675 يوما من الحرب قُتل ما يربو على 240 صحفيا.
وانطلاقا من هذين السببين، تساءلت في قرارة نفسي عن السبب الثاوي خلف فتك الاحتلال بالصحافة.
وأمام هذه المعطيات، تداهمنا مجموعة من الأسئلة النابعة من رمزية الاغتيال، فإذا تأملنا مليا في طبيعة عمل الصحافة، ألفينا أن السلاح الذي تستعمله هو الكاميرا التي ترصد الحدث بموضوعية، وتنقله كما هو دون رتوشات أو تزويقات، بمعنى أنها أداة الحقيقة الواقعية بامتياز.
والمتتبع للأحداث هناك في غزة عبر التلفاز، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سيشاهد مجموعة من المشاهد والصور التي توثق للمعاناة التي يرزح تحت نيرها أهل غزة.
والأجدر في كل مواجهة نزيهة أن يقابَل السلاح بسلاح من جنسه، لا بسلاح غادر وفتاك، كما أن الحقيقة لا تجابَه إلا بحقيقة من جنسها، لا بحقيقة مزيفة ومموهة. لكن الظاهر أن الكاميرا النزيهة تحطمت أمام رصاصة الاغتيال، كما أن قتل الفلسطينيين المدنيين هو بحد ذاته اغتيال، لأنه قتل يفتقر إلى قواعد الحرب النزيهة، وهم لا يحملون سلاحا، فكيف يقتلون؟
معلوم أن التاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء المنتصرون، والمؤرخ يكتب لصالحهم مخافة أن يطوله بطشهم، بيد أن الصحفي لا يهاب الموت ولا يثنيه الخوف، ويتصدى للمخاطر والتهديدات بجرأة وجسارة
السرد التاريخي بين إبيميثيوسية المؤرخ وكايروسية الصحفي
كما أن سردية الحقيقة ومطويات الرواية قد تمزقت واحترقت بحقيقة خائفة مرتعدة ومرتعبة، لأنها لا تعدو أن تكون مجرد حقيقة مصطنعة لا تمت للواقع بصلة، وهي مصطنعة باصطناع أصلها.
ويظل التاريخ مصطنَعا طالما أمكن التصرف فيه وتحريف أحداثه وحقائقه، وهذا مما لا نعجب له، فالمؤرخ لن يكتب عن الحرب إلا بعد انتهائها بسنوات وعقود، ليخدم بتأريخه أجندات وأيديولوجيات وجهات معينة، وليصنع حقيقة لم تكن واقعا في ماضيها، ولن تكون كذلك في حاضرها، فالمؤرخ إبيميثيوسي (نسبة إلى إبيميثيوس، وهو إله في الأساطير اليونانية) لأنه لا يفكر إلا متأخرا ولا ينظر إلا للخلف.
أما الصحفي المغتال فهو ينقل الواقعة في آنها، وحين ظهورها في قلب الحدث، ولا ينتظر انصرامها، إنه يغتنم الفرصة المناسبة في اللحظة الفارقة لظهور الحدث، فالصحفي لذلك كايروسي (نسبة إلى كايروس، وهو إله اللحظة الفارقة أو المناسبة)، ما يعني أن الصحفي يشكل تهديدا حقيقيا ومباشرا على السرديات المزيفة، التي تهفو إلى إعادة كتابة التاريخ على مقاس أجندات معينة.
ومعلوم أن التاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء المنتصرون، والمؤرخ يكتب لصالحهم مخافة أن يطوله بطشهم، بيد أن الصحفي لا يهاب الموت ولا يثنيه الخوف، ويتصدى للمخاطر والتهديدات بجرأة وجسارة، خدمة للحقيقة الواقعية، وللسرد الواقعي الذي لا يني عن متابعة الحدث في حينه، فالسرد يلتصق به ويواكبه، ولا ينفك عنه.
لذلك يسعى الاحتلال إلى تطويق السرد والسيطرة عليه. فما معنى السيطرة على السرد؟ وماذا سيستفيد الاحتلال من اغتيال الصحافة عن طريق السيطرة على سردية الحقيقة؟
تتحول عملية السيطرة على السرد إلى مسعى لتزوير الذاكرة الجماعية، وذلك بتفعيل وظيفة الإدماج التي حددها بول ريكور للأيديولوجيا، بحيث يُلغى صوت الضحايا ويُمحى وجودهم من صفحات التاريخ
السيطرة على السرد: كيف تُصنع الروايات وتُحجب الحقائق؟
تدل "السيطرة على السرد" على عملية ممنهجة وإستراتيجية، تهدف إلى تطويق وتقييد السرديات التي تحوم حول الأحداث القائمة في حرب غزة، تقوم بها إسرائيل بقصد إخفاء الحقائق الواقعية التي تُظهرها عدسة الكاميرا والسيطرة عليها، عن طريق تحطيمها واغتيال أصحابها، والاستعاضة عن هذه الحقائق بحقائق أخرى مزيفة ومصطنعة، تخدم مصالح إسرائيل في صناعة تاريخ رسمي يتسم بالنقاء والبراءة، عسى أن يصبح التاريخ تاريخا كونيا، كما تصوره والتر بنيامين، يُقصي الفلسطينيين المهمشين والمستبعدين والمحاصرين، ويحتفي بإسرائيل كمنتصرة بريئة، حاولت أن تنقذ نفسها من شر ما ابتُليت به.
وهكذا تفلح سيطرتها على السرد، ليس فقط في حاضره، وإنما حتى في ماضيه ومستقبله، وذلك بالقضاء على حماة السرد في حاضره، وحراس الحقيقة في ولادتها الأولى، وهم الصحفيون.. إن السيطرة على السرد تفرض وأد الحقيقة، أي دفنها حية.
وفي هذا السياق، تتحول عملية السيطرة على السرد إلى مسعى لتزوير الذاكرة الجماعية، وذلك بتفعيل وظيفة الإدماج التي حددها بول ريكور للأيديولوجيا، بحيث يُلغى صوت الضحايا ويُمحى وجودهم من صفحات التاريخ، فتصبح الحقيقة أسيرة سردية مزيفة تتكرر وتُتوارث، لتغدو قصة الاحتلال بفضلها مشروعة، والاحتجاجات والمقاومة مجرد اضطرابات يجب قمعها. وهذا ما يكرسه التاريخ الرسمي الذي يُكتب على مقاس القوة، مخفيا خلف ستار النقاء والبراءة قسوة الاحتلال وانتهاكاته.
إذا أفلح الاحتلال في تطويق سردية الحقيقة -والأكيد أنه لن يفلح- باغتيالات مستمرة للصحافة، فإنه سيخفف من الضغط الإعلامي الممارَس عليه، مما سيسمح له بتصعيد عملية الإبادة والتنكيل بالشعب الفلسطيني
اغتيال الصحفيين: ماذا يخسر العالم؟ وماذا يكسب الاحتلال؟
اتضح معنا فيما سبق أن اغتيال الصحفيين ليس جريمة ضد فرد أو فئة من الأفراد، بل هو خسارة تكبدها العالم بأصقاعه، إذ إن هذا الاغتيال يُسكت أصوات الحقيقة الحرة والواقعية، التي تعرّي واقع المعاناة وأشكال الاضطهاد وألوان التعذيب، ومن بينها التجويع المتعمد بفرض الحصار، الشيء الذي يمكن أن يؤدي إلى تغييب تام لبعض مشاهد الظلم والاضطهاد الذي يتفنن الاحتلال في ممارسته، وينجم عنه تعتيم تام كذلك للواقع الديستوبي هناك، وإجهاض لفرص إيصال صوت الفلسطينيين ومقاومتهم، في ظل غياب شهود ينقلون واقعهم دون تزييف.
وإذا أفلح الاحتلال في تطويق سردية الحقيقة -والأكيد أنه لن يفلح- باغتيالات مستمرة للصحافة، فإنه سيخفف من الضغط الإعلامي الممارَس عليه، مما سيسمح له بتصعيد عملية الإبادة والتنكيل بالشعب الفلسطيني دون أن يواجه ردة فعل دولية قوية، أو ضغوط حقيقية توقف اعتداءاته.
ولتجنب هذه المكاسب الإستراتيجية التي يتوقع أن يحصدها الاحتلال من جراء اغتيال الصحفيين، يجب أن يشتد الضغط الإعلامي ويتصاعد، سواء بالكاميرا أو بالأقلام، وبالصورة أو بالصوت أو بالكلمة، بحيث لا يترك المجال لتزييف الحقيقة أو تغليف الواقع.
وفي نفس الوقت، يجب أن يتأجج الغضب الدولي ويستعر، منددا ومستنكرا ومستهجنا الخروقات الأخلاقية والقانونية التي يحترفها الاحتلال، بحيث لا يَترك لها مجالا لحياكة شبكة من الأكاذيب والادعاءات التي تبرر جرائمه تبريرات تتصف بالمراوغة والالتفاف والتدليس.
فضلا على ذلك، هناك ضرورة تعزيز الحصانة القانونية التي يجب أن تحمي الإعلاميين بشكل عام، والإقرار بحرية التعبير والتصوير دون أي ردع أو تهديد، وذلك لحماية السرد وتحصين الحقيقة ضد أعدائها.
ويبقى نور الحقيقة ساطعا لا يُطفأ، مهما أشعلوا ظلمات الزيف.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

