من غزة. أكتب من قلب الألم، لا من حواشيه. من شوارع صامتة بالكلام صاخبة بالجوع، من أزقة صغيرة ازدحمت بالأسئلة: متى نأكل؟ متى نُشفى؟ متى نُنسى؟
ما يجري في غزة ليس حالة طارئة، بل جريمة مستمرة تُنفذ ببطء شديد. نحن هنا لا نعيش، بل نُستهلك تدريجيا، والعالم يكتفي بالمشاهدة أو بالتزييف.
هذه التدوينة لا تدّعي الحياد، فهي صادرة من ضحية تتحدث عن قاتل، من جائع يصرخ في وجه الطاعم، من محاصر لم تعد لديه سوى الكلمة ليخترق بها جدار الكذب المصنوع بعناية.
ما يُقلق الأنظمة ليس موت الناس، بل تأثير هذا الموت على صورتها أمام شعوبها. وهي إذ تشعر بقلقٍ متصاعد من تحول التعاطف الشعبي إلى حالة غضب أو ضغط داخلي، تحاول أن تسبق ذلك بطمس الأصل
الآلة الدعائية: تنسيق الكذب عبر المنصات
لم تعد الحرب الإعلامية تكميلية كما في الماضي، بل أصبحت جبهة قائمة بذاتها، تُسخّر فيها كل الأدوات الممكنة لتزوير الواقع وإعادة تشكيله بما يتناسب مع مصالح الأطراف المتورطة.
الإعلام الناطق بالعربية، الذي يديره الاحتلال، لم يعد يكتفي بالدعاية السياسية، بل أصبح يُنتج مواد إنسانية زائفة، تهدف إلى طمس معالم الجريمة.
وما يؤلم أكثر أن العديد من المؤثرين العرب، وحتى بعض الصحفيين، أصبحوا أدوات غير مباشرة في هذه الحرب: ينشرون صورا لمساعدات محدودة ويصفونها بأنها كافية، أو يوثقون ابتسامة طفل نجا، متجاهلين عشرات الأطفال الذين ماتوا قبل أن يجدوا شيئا يبتسمون له.
أنظمة خائفة من الحقيقة
ما يُقلق الأنظمة ليس موت الناس، بل تأثير هذا الموت على صورتها أمام شعوبها. وهي إذ تشعر بقلقٍ متصاعد من تحول التعاطف الشعبي إلى حالة غضب أو ضغط داخلي، تحاول أن تسبق ذلك بطمس الأصل: إنكار المجاعة، أو التقليل من حجم الكارثة، أو خلق سردية بديلة تُحمّل الضحية مسؤولية ما جرى.
وهكذا نجد بعض التصريحات الرسمية تتحدث عن "ضرورة التهدئة" و"تغليب العقل"، بينما لا تجرؤ على تسمية الجريمة باسمها، ولا على مطالبة الاحتلال بالحد الأدنى من المسؤولية. هذه الأنظمة لا تخشى القاتل، بل تخشى أن تَظهر شريكا له أمام شعوبها.
رأيت أمهات يكتفين برؤية أبنائهن يأكلون ولا يشاركن في الوجبة. هذا ليس مشهدا عابرا، بل هو الروتين اليومي في أغلب بيوت القطاع
الواقع: وجبة واحدة إن وجدت
الجوع في غزة ليس حالة فردية أو مرتبطة بظرف طارئ، بل هو سياسة. حين تعجز مئات العائلات عن تأمين رغيف خبز واحد، وحين يُستبدل الحليب بالماء في رضاعات الأطفال، نكون أمام كارثة لا تحتاج لشرح، بل لفعل.
رأيت بأم عيني رجالا في الخمسين والستين من عمرهم يتظاهرون بالتماسك وهم يقسمون وجبة واحدة على خمسة أطفال. رأيت أمهات يكتفين برؤية أبنائهن يأكلون ولا يشاركن في الوجبة. هذا ليس مشهدا عابرا، بل هو الروتين اليومي في أغلب بيوت القطاع.
أما الدواء، فحدّث ولا حرج. غُرف الطوارئ بلا مسكنات، المصابون بالأمراض المزمنة يموتون ببطء، وحتى المهدئات البسيطة باتت من المفقودات. كل ما نعرفه عن الحياة في غزة أصبح خارج الخدمة: الماء، الكهرباء، الغذاء، الصحة، وحتى الكرامة.
حرب مزدوجة: الموت والحقيقة
الاحتلال يقتل، هذا مفهوم. لكن أن يشارك العالم في التستر على هذه الجريمة، أو التواطؤ معها بالصمت أو التضليل، فهذه هي الكارثة الكبرى.
نُقتل في غزة مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بالصمت. الأولى تنهي الحياة، والثانية تقتل الذاكرة. هناك حملة ممنهجة لمسح وجوه الضحايا، للتشكيك في صورهم، وللتقليل من حجم القتل والجوع. لم يعد يكفيهم أن نموت، بل يريدون ألا يُصدق أحد موتنا.
بعضهم يصوّر تقديم بضع علب من التونة كإنجاز، وبعضهم يلتقط صورا أمام كرفانات المساعدات لينال إعجابا، بينما مئات العائلات لا تملك شمعة تنير بها ليل أطفالها.
حين يُمنع الغذاء عن مليوني إنسان، ويُحرَم المرضى من الدواء، ويُترك الأطفال لمصير الجوع والموت، ثم لا يصدر قرار عاجل بوقف ذلك، فنحن أمام نظام دولي يُقنن القتل ويمنحه غطاء دبلوماسيا
النظام العالمي: شريك في الجريمة
لا يمكن فهم ما يحدث في غزة بمعزل عن النظام العالمي الحديث، الذي ينحاز في جوهره لصالح القوة، حتى لو كانت قوة قاتلة. منظمات كبرى، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، تقف عاجزة- أو متواطئة- في وجه جرائم مكتملة الأركان.
حين يُمنع الغذاء عن مليوني إنسان، ويُحرَم المرضى من الدواء، ويُترك الأطفال لمصير الجوع والموت، ثم لا يصدر قرار عاجل بوقف ذلك، فنحن أمام نظام دولي يُقنن القتل ويمنحه غطاء دبلوماسيا.
الولايات المتحدة، بما تملكه من نفوذ سياسي وعسكري، تتحمل المسؤولية الأولى، ليس فقط لدعمها المالي والعسكري غير المحدود للاحتلال، بل لأنها تمنح الغطاء السياسي في كل محفل دولي لإفشال أي تحرك حقيقي.
أما أوروبا، فتتحدث عن القيم الإنسانية صباحا، ثم تصمت عن مجزرة مساء. هي ازدواجية المعايير في أقبح صورها، حيث تُقاس حقوق الإنسان بلون الجغرافيا والهوية والدين.
وما يزيد الطين بلة هو تواطؤ الشركات العالمية، التي تزوّد الاحتلال بالأدوات، ثم تدّعي الحياد، وكأن مدّ القاتل بالسلاح لا يجعلك قاتلا.
في ظل هذا النظام، لا قيمة للعدالة إن لم تخدم المصالح، ولا معنى للضمير إن لم يمر عبر السفارات والبروتوكولات.
غزة لا تحتاج بطولات، بل مواقف، لا تحتاج كاميرات، بل كسرا للحصار، لا تحتاج مواساة، بل غضبا يعيد للحق مكانته
نداء أخير: من غزة إلى العالم
من بين الركام، من داخل الخيام التي لا تقي بردا ولا حرا، من بين صرخات الأمهات وأنين المرضى، نرسل هذا النداء: لا تنسونا.
لا نطلب المستحيل، بل نطلب أن تكونوا صادقين مع أنفسكم. أن تتوقفوا عن تصديق المسرحيات المعدة سلفا، وأن تنظروا إلى غزة كما هي: مدينة أُغلقت في وجهها أبواب الحياة، وسُحقت بين الصمت الدولي والنفاق الإعلامي.
افضحوا الكذب. قاطعوا من يشارك فيه. دعوا كلماتكم تسبق صمتهم، دعوا ضمائركم تتحرر من قيود الدبلوماسية. غزة لا تحتاج بطولات، بل مواقف. لا تحتاج كاميرات، بل كسرا للحصار. لا تحتاج مواساة، بل غضبا يعيد للحق مكانته.
وإن عجزتم عن الفعل، فلا تكونوا جزءا من التزييف. لا تعيدوا نشر الأكاذيب. لا تمدوا الحبل لمن يخنقنا بهدوء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
