غزة المرآة الكاشفة

وفاة الفلسطيني المعاق محمد الصوافيري نتيجة سوء التغذية في مستشفى الأهلي (وكالة الأناضول)

من غزّة أكتب، من تحت سماءٍ استُبدِل فيها الغيم بالقنابل، ومن أرضٍ باتت الخريطةَ الأكثر دمويةً في هذا العالم. لا أكتب لأُعيد سرد ما تنقله الأخبار، بل لأقول ما لا يُقال كثيرًا: ما يجري في غزّة ليس اختبارًا لغزّة وحدها، بل للأمة كلّها.

كلّ حدثٍ كبير في هذه المنطقة، خاصّةً حين تُراق فيه الدماء، ينبغي أن يكون لحظة تذكير بوحدتنا، لا فرصةً لانكشاف انقساماتنا. لكن، كم مرّةً فشلنا في هذا الامتحان الأخلاقي؟!

المجاعة ليست كلّ ما في المشهد، لكنها أكثر جوانبه فظاعة. في غزّة، يُحاصَر الناس عن الماء والدواء، ويُحاكَمون على صمودهم، ويُتَّهَمون لأنهم قاوموا

حين تهزم الجغرافيا العقيدة

العدو لا يفرّق بين مسلمٍ وآخر، فلماذا نفعل نحن؟ لماذا يُخاطب بعضُنا بعضًا بمنطق الحدود لا بمنطق العقيدة؟ لماذا يتحوّل الألم إلى مادّة للجدل، والدم إلى مساحة للتشكيك والتخوين؟

ما نشهده اليوم هو نسخة حديثة من الجاهلية. جاهلية لم تَعُد تسكن الصحراء، بل المنصّات والشاشات والقلوب. جاهلية ترفع رايات "السيادة" و"الخصوصيّة الوطنيّة" بدل راية "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ".

عندما يصبح التحليل خنجرًا

من حقّ الناس أن يسألوا، ويحلّلوا، ويختلفوا، لكن متى صار التحليل مبرّرًا للشماتة؟ متى صارت الضحيّة محلَّ إدانة؟ حين يُهاجَم طفلٌ جائع بالكلمات، بدل أن يُحتضن بجبر الخاطر، نكون قد فقدنا البوصلة الأخلاقيّة قبل السياسيّة.

ليست المشكلة في التحليل ذاته، بل حين يصبح أداةً لإعادة ذبح الجريح، لا لفهم جُرحه.

أيُّ وعيٍ يجعلنا نقف على جثّة الضحيّة لنناقش أخطاءها، قبل أن ندفنها؟ أيُّ ضميرٍ يجعل من النكبة فرصة لتصفية الحسابات، لا لتوحيد الصفوف؟

المجاعة فضيحة.. لا مجرّد حدث

المجاعة ليست كلّ ما في المشهد، لكنها أكثر جوانبه فظاعة. في غزّة، يُحاصَر الناس عن الماء والدواء، ويُحاكَمون على صمودهم، ويُتَّهَمون لأنهم قاوموا.

المجاعة هنا ليست نتيجة القصف فقط، بل أيضًا نتيجة التخلّي والتخاذل. وجوع غزّة، في وجهٍ منه، هو جوع في إنسانيّة العالم، وفي إحساس كثير من القريب قبل البعيد.

جاهلية بثياب حديثة

الجاهليّة التي حاربها الإسلام لم تكن عبادة أصنامٍ فحسب، بل عقلية تُقدّس الانتماء الضيّق وتزدري المختلف. واليوم نعيش صورًا منها، أبرزها:

إعلان
  • التمييز بين المسلمين وفقًا للجغرافيا أو الخلفية الفكريّة.
  • محاكمة الهويّة بدل الفعل.
  • تحويل الانتماء لفلسطين إلى تهمة.
  • تقديم "الاستقرار" على العقيدة الجامعة.
  • التحامل على من يقاوم لأن خلفيّته لا تُعجب البعض.
  • الاحتكام لصورة إعلاميّة مشوّهة بدل الحقيقة.
  • التعامل مع غزّة كملفّ خارجي، لا كجزءٍ من جسد الأمّة.

أيُّ وعيٍ يجعلنا نقف على جثّة الضحيّة لنناقش أخطاءها، قبل أن ندفنها؟ أيُّ ضميرٍ يجعل من النكبة فرصة لتصفية الحسابات، لا لتوحيد الصفوف؟

لن يُكرمنا الله حتى نُكرم بعضنا. "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" ليس شعارًا نعلّقه، بل مبدأ نُحاسَب عليه. وما غزّة إلا المرآة.. والنتائج تُكتب كلّ يوم، لا بالحبر، بل بالدم

غزّة ليست شعارًا بل اختبارًا

غزّة لا تطلب منّا تمجيدًا ولا شعارات، بل أن نكفّ عن الطعن، والتشكيك، والتخوين. ليست بحاجة إلى من يزايد على جراحها، بل إلى من يراها كما هي: جزء من جسد الأمّة.

ما يحدث في غزّة ليس مجرّد مأساة إنسانيّة، بل هو اختبار دائم لعقيدتنا وأخلاقنا ووحدتنا. امتحانٌ لا تُعلَن نتائجه على الورق، بل تُكتَب بالدم.

حين ترى الأمة ولا تهتز

الأمم لا تموت فقط تحت القصف، بل حين تفقد إحساسها ببعضها. حين يصبح دم الأخ نقاشًا باردًا، لا نداءً للاستنفار. حين يُسأل الجريح عن فصيله لا عن جرحه. حين تُختزل غزّة في ملفات السياسة، لا في روابط الدين والإنسانيّة.

لن يُكرمنا الله حتى نُكرم بعضنا. "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" ليس شعارًا نعلّقه، بل مبدأ نُحاسَب عليه. وما غزّة إلا المرآة.. والنتائج تُكتب كلّ يوم، لا بالحبر، بل بالدم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان