أنهيتُ مؤخرًا قراءة الرواية "عائد إلى حيفا" للكاتب غسان كنفاني، ويمكنني الجزم والتوكيد معًا أن الرواية لا تشمل فقط تصوير صراع البحث عن الهوية المفقودة، أو تصوير حالة فلسطينية فُقدت منذ أزل النكبة، بل هي أعمق من ذلك بمراحل؛ إذ خلّد غسان كنفاني معنى يكاد أن يكون ميتافيزيقيًّا، يكاد ألا يُرى ولا حتى يُلمس في أي مكان وفي أي زمان.
استطاع غسان كنفاني ببراعة أن يصف ملامح الأشياء في بيت صفية وسعيد من المدخل، والسجادة الشامية الصغيرة، والأثاث، وغرفة الجلوس، وحتى الستائر السكرية التي تغيرت، لتقع عيناه على صفية وهو يراها "كأنها تعدّ الأشياء التي تفقدها"!
لم تكن رحلة سعيد الذي قرر ذات مساء أن يذهب إلى حيفا رحلة استطلاع ونبش الألم؛ بل كانت بالنسبة إليّ رحلة تحمل في طياتها الكثير من الأمل، وربما كانت خيبته هو وصفية في ذلك الأمل بمحاولتهما تنبيش الذاكرة الروحية للأشياء والأماكن والأشخاص، وجزمهما بأنها سوف تمتلك ذلك الطابع الذي كان قبل النكبة، التي حلت بهم وأفقدتهما ابنهما خالد، الذي أمسى "دوف" عند عائلة إسرائيلية استوطنت بيتهما.
كان انطباع الخيبة الأول الذي أنكرته الذاكرة الروحية الشيئية هو جرس الباب، حيث دق سعيد الباب هامسًا لزوجته: "غيروا الجرس"، ثم أضاف: "والاسم طبعًا"، لكنه "اغتصب ابتسامة غبية"، وذلك في محاولة إنكار الطابع الذي غيّب المعنى للشيء، وأصرّ على الدخول إلى بيته محاولًا البحث عن ذلك الشيء المُغيَّب.
هنا استطاع غسان كنفاني ببراعة أن يصف ملامح الأشياء في بيت صفية وسعيد من المدخل، والسجادة الشامية الصغيرة، والأثاث، وغرفة الجلوس، وحتى الستائر السكرية التي تغيرت، لتقع عيناه على صفية وهو يراها "كأنها تعدّ الأشياء التي تفقدها"!
وهو ما يثبت أطروحتي في معنى البحث عن ذاكرة الأشياء الروحية، التي شكلت هاجسًا أربك الأمهات الفلسطينيات عند ترحيلهنّ، وظنّن قبل سبع وسبعين سنة أنه مؤقت؛ فقد خشين أن يُسلب شيء من ممتلكاتهنّ، وهن لا يعرفن أن كل شيء سيفقد، حتى إن لم تُفقد أشياؤهنّ.
بعد فقدهما آخر ذرةِ أمل، واستسلامهما أمام حقيقة المكان الذي سلب آخر معاقل المعاني: ابنهما "خالد"، لم يكن بخاطر الزوجين سوى الرحيل!
إننا قد نظن أن الإبادة في مضمونها السطحي تعني القضاء على أكبر نسبة من السكان، لكن الإبادة أيضًا تشمل محو الذاكرة الروحية الشيئية، ونرى ذلك اليوم في ملامح مدن وقرى فلسطينية كثيرة
لم يكن سعيد وزوجته صفية الضحيتين الوحيدتين اللتين جلبتهما لعنة التمسك بتلك الذاكرة الشيئية، بل كان معهما أيضًا فارس ابن اللبدة، وذلك عندما قرر أن يعود إلى بيته في يافا في حي العجمي لِيُلقي نظرةً عليه.
كان أكثر لطفًا عليه هذه المرة، لأن كل الأشياء بدت في مكانها ولم يمسسها أي شيء، فقد قرر أبو بدر -ابن المنشية- أن يختبئ في ذلك البيت، ولم يرحل عند تضخم البطش الإسرائيلي الاستيطاني آنذاك في عام 1948. صادف فارس صورة أخيه بدر المعلقة، وبعد نزاع وتسامر طويل، أخذها من الحائط الذي عاد لبياضه المتوهج.
وفي طريق عودته إلى بيته في رام الله أحس أن شيئًا غريبًا قد حل بالحائط، فعاد إلى يافا ليُرجع اللوحة التي تحمل صورة أخيه الشهيد إلى مكانها، وكان رد الرجل أن زوجته قد بكت وأن طفليه أُصيبا بذهول؛ فبالرغم من أن الأشخاص الذين في الصورة وبدر لا يرتبطون بأي صلة قرابة لديهم، فإن اللوحة أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان الروحية، التي لا يريدونها أن تهرب منهم.
وهكذا بقي حالنا كفلسطينيين منذ ذلك الحين إلى اليوم، نبكي ونلتقط الكثير من الصور، ونقف بذهول أمام لوحة قديمة تجمع شهداء، أو ثوبًا قديمًا، أو حتى مفتاح بيت كانت قد خبأته سيدة من يافا، واليوم أصبحنا ننظر إليه من تحت زجاج متحفٍ ما، وذلك في محاولة لنا لاستعادة شيء روحي دافئ من ذاكرةٍ تحاول أن تنكرنا وأيامٍ لم نعشها، وكأننا نريد أن نغتال دقيقة من الماضي في دكان "أنتيكا" فلسطيني، أو أمام أي دكان يحمل طيّات دافئة من عبق الماضي، في محاولة منا لاسترجاع شعور غيّبه الاستيطان والاحتلال على هذه الأرض.
إننا قد نظن أن الإبادة في مضمونها السطحي تعني القضاء على أكبر نسبة من السكان، لكن الإبادة أيضًا تشمل محو الذاكرة الروحية الشيئية، ونرى ذلك اليوم في ملامح مدن وقرى فلسطينية كثيرة، لكن الأشد منها قد بدأ منذ أواخر 2023، في الإبادة المتغطرسة التي دمرت صلة هذا النوع من الذاكرة، إذ نتحسر أمام الكثير من المقاطع على مواقع مختلفة في السوشيال ميديا، التي تبرز مشاركاتها كيف كانت غزة قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وكيف غدت اليوم فاقدة ذلك الشيء الدافئ الذي قتلته الوحشية الصهيونية.
علينا ألا ننكر كفلسطينيين محاولاتنا اختلاق الغبطة من ذاكرة الأشياء، سواء بامتلاكها أو تصويرها، أو حتى وضعها في متحف، لكن علينا أن نضع حدًا لتلك الغبطة المصحوبة بالأمل، لأننا نخشى أن تُنهكنا تلك الذاكرة
وبرأيي، إن كل فلسطيني اليوم يحاول أن يشتّت ألمه في تنبيشه ومحاولة امتلاك شيء لإسعاف تلك الذاكرة الروحية الميتافيزيقية؛ فقد نجح فرج سليمان في تصوير الخيبة الجمعية بفقدنا ومحاولاتنا بالتشبك بذلك الدفء الذي كان، كأننا نريد أن نجد اتصالًا بينه وبيننا. ففي ألبومه "أحلى من برلين" عبّر عن ذلك، وبدأ قائلًا في "شارع يافا": "في أسئلة براسي عنك، عن الحارة؟".
لم يكتفِ، فقد تابع بكثير من الأسئلة: "مين سرق منا الطبيعة، وقلنا حافظوا على البيئة؟ بدهم يتركوا الحارة ويفتحوا مطرح بيتي بار؟ يدهنوا كل الشارع أشقر، يخفوا ألوان السمار؟ مخبز عمي تحوّل Gallary قال أجواؤه Authentic"… وينهي قائلًا: "بس أنا شو بقدر أعمل قدّام الوحش العظيم عم بنهش بطن المدينة".
ختامًا، علينا ألا ننكر كفلسطينيين محاولاتنا اختلاق الغبطة من ذاكرة الأشياء، سواء بامتلاكها أو تصويرها، أو حتى وضعها في متحف، لكن علينا أن نضع حدًا لتلك الغبطة المصحوبة بالأمل، لأننا نخشى أن تُنهكنا تلك الذاكرة، أو حتى أن نعلق بها دون أن ننسى خلق ذاكرة الحاضر في هذا الوقت العصيب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

