- كيف أعادت شعبوية ترامب الليبراليين إلى الواجهة؟
حين يحاول الكبار إذلالك، لا ترفع صوتك.. بل ارفع وعيك.
كندا اختارت أن ترد بلغة الوعي لا العنف، من صندوق الاقتراع لا من منابر الخطابة.. رسالة هادئة لكنها تهز الموازين.
كندا تقول كلمتها: الغطرسة الأميركية توحّد الداخل وتعيد تشكيل الخارطة السياسية
من ضجيج التعريفات الجمركية إلى وعي انتخابي متقدم.. صناديق الاقتراع كانت أقوى من استطلاعات الرأي.
حين تجرأت واشنطن على إذلال أوتاوا، لم يكن الرد عبر البيانات أو المؤتمرات، بل جاء من أهدأ سلاح وأقواه: صندوق الاقتراع. كندا قلبت المعادلة، ووجّهت رسالة للعالم: اليمين المتغطرس ليس حتمًا لازمًا.
بخبرة دولية ممتدة من بنك كندا إلى بنك إنجلترا، وبخطاب قائم على العقلانية والسيادة الاقتصادية، أصبح كارني تجسيدًا لحاجة الكنديين إلى قائد لا يصارع، بل يبني
في مفاجأة سياسية من العيار الثقيل، قلب الناخب الكندي الطاولة على التوقعات، واضعًا نهاية لسيناريو بدا شبه محسوم قبل أشهر فقط. المحافظون الذين كانت حظوظهم تشير إلى فوز بأكثر من 60% من مقاعد البرلمان وجدوا أنفسهم على الهامش؛ بعد أن أُنعشت آمال الليبراليين بفعل خارج الحدود: دونالد ترامب.
الريح تهب من واشنطن.. ولكن بعكس الاتجاه
قبل أربعة أشهر فقط، كانت استطلاعات الرأي تمنح المحافظين أفضلية واضحة، متوقعة فوزهم بما يزيد عن ثلثي مقاعد البرلمان.
في المقابل، بدا الحزب الليبرالي الحاكم منهكًا، يفتقر إلى زخم شعبي، ويكافح ضد تآكل الثقة وارتفاع الأسعار وازدياد معدل التضخم بعد سنوات من الحكم.. لكن شيئًا ما تغيّر فجأة!
بلغة حادة وقرارات غير محسوبة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تعريفات جمركية قاسية على الواردات الكندية، ترافقت مع تصريحات استعلائية وصلت إلى حد وصف كندا بـ"الولاية 51″.
لم تمر هذه الإهانات مرور الكرام على الرأي العام الكندي، بل أثارت موجة واسعة من السخط الوطني، دفعت الناخبين إلى إعادة التفكير في خياراتهم.
مارك كارني.. رجل اللحظة وسط عاصفة الشعبوية
وسط هذا المشهد المتقلب، ظهر اسم مارك كارني كخيار عقلاني هادئ وسط الضجيج.. المصرفي والاقتصادي البارز، والذي لم يسبق له أن خاض أي انتخابات أو شغل مقعدًا برلمانيًّا، وجد نفسه فجأة في قلب المشهد السياسي.
بخبرة دولية ممتدة من بنك كندا إلى بنك إنجلترا، وبخطاب قائم على العقلانية والسيادة الاقتصادية، أصبح كارني تجسيدًا لحاجة الكنديين إلى قائد لا يصارع، بل يبني.
كارني لم يعد فقط زعيمًا لليبراليين، بل قادهم نحو فوز مفاجئ بأغلبية بسيطة بلغت 169 مقعدًا من أصل 343، متجاوزًا التوقعات ومثبتًا أن ردود الفعل الشعبية يمكن أن تغير المسار السياسي في لمح البصر.
نتائج الانتخابات الكندية ليست مجرد قصة محلية عن صعود حزب وسقوط آخر؛ إنها حلقة في سلسلة أوسع من التغيرات التي يشهدها العالم
شعبوية ترامب تعيد رسم المشهد العالمي
لم تكن كندا وحدها التي شعرت بتداعيات سياسة ترامب التصادمية. من أوروبا إلى أميركا اللاتينية، ومن آسيا إلى أفريقيا، بدأت ملامح واضحة لإعادة التموقع السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة.
أصبحت السياسات الأميركية المتقلبة -خاصة تجاه الحلفاء- سببًا رئيسيًّا في تقارب العديد من الدول مع الصين، لا حبًّا فيها، بل هروبًا من واشنطن.
السياسات التجارية المتغطرسة، والنهج الفردي الذي تتبعه واشنطن بقيادة ترامب، عمّقا شعورًا عالميًّا بأن الولايات المتحدة لم تعد حليفًا يُعتمد عليه، بل مصدرًا للمفاجآت غير السارّة.
نظام عالمي جديد يتشكل بصمت
نتائج الانتخابات الكندية ليست مجرد قصة محلية عن صعود حزب وسقوط آخر؛ إنها حلقة في سلسلة أوسع من التغيرات التي يشهدها العالم، حيث بدأت الشعوب والحكومات بإعادة النظر في تحالفاتها، ووضع إستراتيجيات جديدة قائمة على التوازن والتعددية.
ما جرى في كندا قد يتكرر في أماكن أخرى، حيث تستيقظ الشعوب على حقيقة أن الخطاب الشعبوي لا يصنع اقتصادات، وأن الشعور بالاستعلاء لا يُبنى عليه استقرار دولي. الرسائل التي أرادها ترامب أن تكون استعراض قوة، تحوّلت في وعي المجتمعات إلى أجراس إنذار.. إن الاعتداء اللفظي والسياسي على الحلفاء التاريخيين، وعدم الاحترام، سلوك لا يخلق هيبة، بل يولّد مقاومة ناعمة، واعية، تتجسد في صناديق الاقتراع وصياغة السياسات الجديدة.
لقد بدأت الشعوب تدرك أن معادلة النفوذ العالمي قد تغيّرت، وأن صوتها أقوى من أي رئيس، وأعلى من أي شعار
كندا اليوم ليست مجرد بلد قرر أن يتمايز، بل ربما كانت الطلقة الأولى في مسار ديمقراطي عالمي يعيد الاعتبار للعقلانية السياسية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية عن معنى السيادة، وعن حدود القوة، وعن قيمة الحلفاء الذين يُحترمون لا الذين يُستخدمون.
هذا التحول في المزاج الشعبي لا يقتصر على كندا.. المؤشرات تتزايد في أكثر من دولة غربية على أن رياح التغيير تهب بهدوء، ولكن بثبات.
في الولايات المتحدة، بدأت أصوات داخل المؤسسات الديمقراطية والجمهورية على السواء تدق ناقوس الخطر من كلفة الخطاب الانعزالي الذي تبناه ترامب.
أما في أوروبا، فحركات الوسط ويسار الوسط واليسار المعتدل بدأت تستعيد زخمها في مواجهة تيارات اليمين المتشدد، مدفوعة بمخاوف من تكرار السيناريو الأميركي، الذي بات يُنظر إليه كدرس سياسي قاسٍ لا كقدوة.
من أوروبا الغربية إلى شرقي آسيا، ومن العواصم اللاتينية إلى مراكز القرار الأفريقية، بدأ خطاب جديد بالتبلور: التعامل مع الولايات المتحدة يجب أن يتم من موقع الندّية والاحتياط، وليس التبعية والثقة المطلقة.
في لحظة بدا فيها أن اليمين الشعبوي يواصل صعوده على ظهر الشعارات القومية، جاءت كندا لتقدم نموذجًا مضادًّا، تجلى في وعي سياسي رصين، ورد فعل شعبي مدروس، ورسالة واضحة مفادها أن العالم لم يعد يقبل الاستعلاء أو الإملاءات، مهما كان مصدرها.
لقد بدأت الشعوب تدرك أن معادلة النفوذ العالمي قد تغيّرت، وأن صوتها أقوى من أي رئيس، وأعلى من أي شعار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

