الاقتصاد العالمي في مهبّ الريح

ترامب يصدر قرارا بزيادة الرسوم الجمركية على صادرات الصين
ترامب يصدر قرارًا بزيادة الرسوم الجمركية على صادرات الصين (الجزيرة)

تشهد الأسواق العالمية انهيارات متتالية من طوكيو إلى وول ستريت، في ظل تصعيد خطير للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. في الوقت الذي ترد فيه بكين بتعريفة جمركية مماثلة على السلع الأميركية، يهدد الرئيس دونالد ترامب بالمزيد من الإجراءات العقابية.

هذا التصعيد لا يضرّ بالصين وحدها، بل يهدد بانهيار سلاسل التوريد، ورفع نسب البطالة، ودفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة من الركود التضخمي. نحاول طرح رؤية اقتصادية بديلة تُوازن بين حماية الاقتصاد الأميركي والحفاظ على الاستقرار العالمي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف تجاري عابر، بل هو انقلاب على قواعد الاقتصاد العالمي التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

ركود تضخمي شامل

من طوكيو إلى شنغهاي، ومن فرانكفورت إلى وول ستريت، مرورًا بلندن وسيول، تتهاوى البورصات العالمية في موجة خسائر حادة تهدد استقرار الاقتصاد الدولي برمّته.

فبعد إعلان الصين عن فرض رسوم جمركية انتقامية بنسبة 34% على السلع الأميركية، ردًا على قرار إدارة ترامب بفرض الرسوم نفسها على وارداتها الصينية، اشتعلت الحرب التجارية مجددًا، ولكن هذه المرّة بحدة غير مسبوقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يُكمل بعد مئة يوم في ولايته الجديدة، رفع الرسوم الجمركية 125% على الصين حتى يجبر الصين على التراجع بعدم فرض تعرفة جمركية على البضائع الأميركية وفي المقابل قامت بكين والتي تبدو مصممة على المضي قدما في مواجهة ما سمته "بالبلطجة الاقتصادية" بالرد بالمثل وقامت بفرض 125% رسوما جمركية على البضائع الأمريكية.

مما ينذر بصراع مفتوح سيدخل العالم في حرب تجارية حقيقية ،ستكون له انعكاسات كارثية على الجميع دون استثناء.

حرب لا رابح فيها

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف تجاري عابر، بل هو انقلاب على قواعد الاقتصاد العالمي التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إعلان

العالم بات على أعتاب كساد تضخمي واسع النطاق، إذ تتزايد مؤشرات الركود في أكبر الاقتصادات، وتتسارع معدلات التضخم، وتتزايد حالات الإفلاس وتسريح العمالة، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات 2008 و1929، ولكن بطابع أكثر تعقيدًا بسبب تشابك سلاسل التوريد، وانكشاف الاقتصاد العالمي بعضه على بعض.

الأخطر أن الخسائر لا تقتصر على الصين والولايات المتحدة، بل تمتد لتطول دولًا فقيرة ونامية لا حول لها ولا قوة، تعتمد على الاستقرار التجاري العالمي لتصريف منتجاتها وتأمين احتياجاتها الأساسية. وحتى إن حلفاء واشنطن الاقتصاديين، من كندا إلى المكسيك وأوروبا، لن يكونوا بمنأى عن العاصفة.

نصيحة إلى من يملك زمام القرار

لو كنت ضمن الفريق الاستشاري للرئيس الأميركي، أو أي رئيس يتعامل مع اقتصاد يعاني من الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي، لكان المنهج البديل أكثر واقعية وفاعلية.

بدلًا من فرض رسوم انتقامية مرتفعة تُشعل صراعًا مفتوحًا، كان يمكن اللجوء إلى رسوم بسيطة تتراوح بين 4% إلى 6% على الواردات، تُقسّم بشكل عادل بين المستورد الأميركي والمصدّر الأجنبي.

فعلى سبيل المثال، لو تم فرض رسم جمركي بنسبة 6% فقط على الواردات الأميركية، التي تبلغ حاليًا نحو 3.2 تريليونات دولار سنويًا، فإن ذلك يعني تحقيق إيرادات سنوية تتجاوز 190 مليار دولار. هذا المبلغ الضخم، يمكن توجيهه إلى صندوق سيادي خاص يعيد هيكلة الاقتصاد الأميركي عبر:

  • توطين صناعات إستراتيجية.
  • دعم البحث والتطوير.
  • تعديل التشريعات الضريبية والمالية.
  • تحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
  • توفير آلاف الوظائف وتحسين القدرة التنافسية الحقيقية.

بهذا الأسلوب، يمكن خلال خمس سنوات فقط توفير أكثر من تريليون دولار دون الدخول في نزاعات تجارية تهدد استقرار العالم.

الحل ليس في تعظيم الجدران الاقتصادية، بل في بناء جسور ذكية تحقق العدالة التجارية وتحمي الاقتصاد العالمي من انهيار وشيك.. الجميع سيخسر، ولكن الخاسر الأكبر سيكون من يظن أنه يربح في معركة خاسرة من الأساس

حسابات خاطئة ونتائج كارثية

المنهج الترامبي الحالي لا يراعي الطبيعة المعقدة للتجارة الدولية، ولا يتفهم أن النظام الأميركي يستند في قوته إلى الثقة العالمية في الدولار ونظام "سويفت"، وليس إلى القدرة على التهديد والضغط فقط.

فحين تهتز هذه الثقة، تبدأ الدول في البحث عن بدائل، سواء عبر التسويات الثنائية، أو التكتلات الإقليمية، أو العملات الرقمية، أو الخروج من نظام "سويفت"، كما تفعل روسيا، والصين، والهند، ودول الخليج، وأميركا اللاتينية.

ما يفعله ترامب اليوم يضع الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة مع الشركاء والمنافسين على حد سواء، ويفتح المجال أمام تسريع عمليات "إزالة الدولرة"، وتفكيك المنظومة المالية التي طالما ضمنت التفوق الأميركي لعقود.

هل يستمع الرئيس لصوت العقل؟

الرئيس ترامب محاط بفريق من المستشارين الذين لا يجرؤ معظمهم على مناقشته أو الخروج عن روايته، ما يجعل القرار الاقتصادي أسيرًا لردود فعل انفعالية وقرارات مرتجلة. هذا النمط في إدارة الملفات الاقتصادية لا يليق بقوة كبرى، ولا ينسجم مع التعقيدات التي يواجهها الاقتصاد العالمي اليوم.

إعلان

نأمل أن يُفسح المجال لصوت العقل، وأن يتم التراجع عن هذا النهج التصعيدي قبل أن تتحول الحرب التجارية إلى أزمة مالية كبرى، تعصف بالنظام الاقتصادي العالمي، وتُشعل سلسلة من الأزمات الاجتماعية والسياسية في كل مكان.

ختامًا

الولايات المتحدة، بفضل ما تملكه من أدوات قوة اقتصادية ونقدية، قادرة على إصلاح اختلالاتها دون الدخول في صراعات تجارية خطيرة. ولكن الاستعلاء والتصعيد لن يُنتج سوى المزيد من الفوضى والانقسام.

الحل ليس في تعظيم الجدران الاقتصادية، بل في بناء جسور ذكية تحقق العدالة التجارية وتحمي الاقتصاد العالمي من انهيار وشيك.. الجميع سيخسر، ولكن الخاسر الأكبر سيكون من يظن أنه يربح في معركة خاسرة من الأساس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان