منذ عودة ترامب إلى المشهد السياسي، تعيش الولايات المتحدة حالة من الفوضى الاقتصادية والانقسامات السياسية غير المسبوقة. إدارة تتصارع مع نفسها، وقرارات متخبطة، وحروب تجارية تستهدف الحلفاء والخصوم على حد سواء، ما يدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من التراجع وفقدان الهيمنة.
في ظل هذه التحولات، تتسارع وتيرة أفول الهيمنة الأميركية، ويفتح المشهد العالمي المجال أمام نظام متعدد الأقطاب، حيث تتحرك الدول الفاعلة لإعادة تشكيل تحالفاتها بعيدًا عن الاضطرابات التي تخلقها واشنطن.
إن خفض الضرائب على الشركات، وفرض التعريفات الجمركية الباهظة، لا يمكن أن يعيد تصنيع الولايات المتحدة، إذ إن "سحر العولمة" قد انقلب على الساحر، وبدأت شركات أميركية كبرى تهاجر إلى أسواق أكثر نجاعة وأقل تكلفة
صراعات البيت الأبيض
البيت الأبيض اليوم ليس سوى ساحة معركة بين المصالح المتضاربة، حيث يسود التخبط السياسي، ويصبح التملق والنفاق هو الأسلوب السائد داخل الإدارة.
فقد أصبحت الولاءات الشخصية أكثر أهمية من الكفاءة، وتُتخذ القرارات الحاسمة بناءً على اعتبارات انتخابية وأيديولوجية، بينما يُستبعد الخبراء والمتخصصون.
على الصعيد الاقتصادي، قرارات ترامب بفرض تعريفات جمركية غير مبررة على كندا والمكسيك تُظهر بوضوح نظرة فوقية. ففي حالة كندا، تُفرض هذه السياسات على جارة تُعتبر اقتصادًا واعدًا وواحدة من الدول الصناعية السبع الكبرى، رغم قلة عدد سكانها وقدراتها العسكرية المحدودة مقارنةً بالولايات المتحدة.
أما المكسيك ودول أميركا اللاتينية، فتواجَه بسياسات تحمل مسحة استعلائية، كأنها أسواق ضعيفة التطور وغير قادرة على منافسة الاقتصاد الأميركي الحقيقي.
هذه الإجراءات تكشف عن اعتقاد خاطئ بأن الهيمنة تُقاس بالضغط التجاري، بينما تهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي وتعميق العزلة الإقليمية للولايات المتحدة.
إيلون ماسك من رجل أعمال إلى رمز للفوضى
في ظل الأوضاع الاقتصادية المضطربة، أصبح إيلون ماسك نموذجًا جديدًا لعدم الاستقرار في عالم الأعمال؛ فبعد سلسلة من الصدامات مع الهيئات التنظيمية والوزارات الأميركية، شرع ماسك في تسريح أعداد هائلة من الموظفين، ما يعكس عقلية "الفوضى المطلقة" التي تميز بعض النخب الاقتصادية في عصر ترامب.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن دعمه الصريح للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا -خاصة في ألمانيا وبريطانيا- يفاقم مناخ العنصرية في الغرب، ما يزيد من مخاوف المستثمرين ويؤدي إلى هروب العقول المبدعة. هذه السياسات لا تؤثر فقط على الاقتصاد الأميركي، بل تُضعف ثقة الأسواق العالمية في البيئة الاستثمارية داخل الولايات المتحدة.
تقويض الاقتصاد الأميركي
لا تقتصر سياسات ترامب الاقتصادية على فرض تعريفات جمركية على الصين، بل تمتد إلى استهداف أقرب الحلفاء مثل كندا وأوروبا.
ومن أبرز السياسات الخطيرة محاولاته المستمرة لإضعاف الدولار الأميركي، ظنًّا منه أن انخفاض قيمة العملة سيجعل الصادرات الأميركية أكثر جاذبية. بيدَ أن هذه الإستراتيجية تُغفل حقيقةً أساسية: هيكل الأجور في الولايات المتحدة يفوق تكلفة الإنتاج في دول المنافسة، مثل الصين وفيتنام والهند وكندا والاتحاد الأوروبي والبرازيل والمكسيك.
لذا، فإن خفض الضرائب على الشركات، وفرض التعريفات الجمركية الباهظة، لا يمكن أن يعيد تصنيع الولايات المتحدة، إذ إن "سحر العولمة" قد انقلب على الساحر، وبدأت شركات أميركية كبرى تهاجر إلى أسواق أكثر نجاعة وأقل تكلفة.
علاوة على ذلك، بدأت إدارة ترامب بتقليص المخصصات والاعتمادات الفدرالية لقطاعي التعليم والرعاية الصحية، ما سيؤدي في المستقبل إلى انخفاض متوقع في جودة التعليم والبحث العلمي، وتفاقم أزمة الرعاية الصحية.
وفي ظل هذا التوجه، ينتشر ما يشبه المكارثية -أو "الترامبية" الجديدة-؛ حيث يتحول التفتيش في الضمائر إلى ممارسة صارمة، تتعارض مع التعديل الأول للدستور الذي يكفل حرية التعبير، ما يخلق بيئة قمعية تثني عن الإبداع والحرية الفكرية.
أما على مستوى الأسواق المالية، فإن التعريفات الجمركية المفروضة ستزيد من الضغوط التضخمية، ما يُبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا. هذا بدوره سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات وارتفاع تكلفة الاقتراض، ما يجعل شبح الركود المخيف أكثر تهديدًا لعالم المال والأعمال.
تحالفات غامضة وصراعات مكتومة
رغم موقف ترامب العدائي تجاه الصين، فإن سياسته تجاه روسيا تبدو مختلفة تمامًا. فبدلًا من التصعيد، يسعى ترامب إلى تعزيز علاقاته مع موسكو، في خطوة تثير تساؤلات حول توجهاته الإستراتيجية. هذا التناقض يعكس حالة من التخبط الجيوسياسي، حيث لا يبدو أن الإدارة الأميركية تمتلك رؤية واضحة للتعامل مع التحديات الدولية.
وفي أوكرانيا، أظهرت إهانته العلنية لزيلينسكي أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة حتى على الحفاظ على مظهر الحليف الموثوق، ما أدى إلى تعميق الانقسامات داخل حلف الناتو، وفتح الباب أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها في أوروبا الشرقية.
ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب سياسي أو اقتصادي عابر، بل هو إعادة ترتيب جذرية للنظام العالمي، تُمهّد لعصر جديد يتسم بتعدد الأقطاب وتنوع التحالفات
نهاية الأحادية الأميركية
كل هذه التحولات تؤكد أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة الأميركية أمرًا مسلمًا به.
في هذا السياق، يتوجب على الدول العربية وتركيا – التي تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة- أن تفكر خارج الصندوق، وتعتمد على شراكات إستراتيجية متنوعة، لا تكون فيها رهينة للسياسات الأميركية المتقلبة، ويمكن أن تشمل:
- تعزيز التحالف مع كندا والاتحاد الأوروبي: تُعد كندا اقتصادًا واعدًا ودولة صناعية كبرى، تتمتع بسياسات منفتحة ومتسامحة ولا تحمل إرادة استعمارية، ما يجعلها شريكًا موثوقًا في التجارة والتعليم والاستثمار.
- شراكة إستراتيجية مع الصين: من خلال التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة، والتصنيع، تُتاح فرص هائلة للنمو والاستقلالية الاقتصادية.
- الاستثمار في العقول ورأس المال البشري (Human Capital): لا بد من تمكين البحث العلمي واستثمار العقول كركيزة أساسية لإستراتيجية النمو الاقتصادي، بعيدًا عن إهدار الطاقات البشرية أو هروبها إلى دول توفر بيئة أفضل للابتكار.
- تعزيز التعاون بين الدول العربية وتركيا: عبر مشاريع اقتصادية كبرى، وتبادل الخبرات في مجالات البنية التحتية والصناعات المتقدمة والتعليم، يمكن لهذه الدول أن تشكل قوة اقتصادية متكاملة تسهم في إعادة التوازن للنظام العالمي.
لحظة التحول الحاسمة
ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب سياسي أو اقتصادي عابر، بل هو إعادة ترتيب جذرية للنظام العالمي، تُمهّد لعصر جديد يتسم بتعدد الأقطاب وتنوع التحالفات.
إن التدهور الواضح في هيمنة الولايات المتحدة، الذي يتجلى في سياسات ترامب المتخبطة ورؤيته الضبابية لإضعاف الدولار، يجعل من الضروري للدول التي تسعى للنمو والازدهار أن تتحرر من عباءة التبعية.
إذا أرادت الدول العربية وتركيا أن تضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا، فعليها أن تبني تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاستثمارات الذكية في مجالات التكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي.. من لا يصنع مستقبله، يُفرض عليه مستقبل الآخرين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

