توحيد الرسوم الجمركية في سوريا والجدل المتجدد

سوريا - حلب - عانى تجار وصناعيو سوريا من فرض الإتاوات من قبل سلطات النظام المخلوع
عانى تجار وصناعيو سوريا من فرض الإتاوات من قبل سلطات النظام المخلوع (الجزيرة)

لربما يعتقد البعض أن الارتياح والانتعاش الاقتصادي، الذي ساد أوساط المدن السورية مؤخرًا، والتي كان يسيطر عليها نظام الأسد سابقًا، يعكس نهجًا سياسيًا جديدًا، أو امتيازًا مناطقيًا، ولربما يعتقد البعض الآخر أن الاستياء الشعبي الذي حصل في إدلب وشمالي سوريا بسبب جملة القرارات الجمركية كان مقصودًا، أو لربما لم يكن مدروسًا، ولكن عزيزي القارئ، عليك الإدراك الآن أن عقلية الدولة تديرها الأرقام والحسابات الاقتصادية، بينما تتجمل الثورة بثوب العاطفة قبل أن تصبح هي الدولة.

في العقد الأخير، ونظرًا للمعاناة التي يعيشها قرابة 4 ملايين مهجر داخليًا من أبناء سوريا، كانت الرسوم الجمركيّة منخفضة جدًا في إدلب وشمالي سوريا، وهي الرسوم المفروضة على البضائع الأجنبية القادمة من المعابر الحدودية مع تركيا

الغاية تبرر الوسيلة

دعونا نرجع قليلًا إلى الوراء، فقبل تحرير سوريا من براثن النظام القمعي في سوريا، كان مستبد الشام لا يترك موطئ قدم يتنفس فيه أبناء سوريا الصعداء، إلا ويدوسه بأدواته المستأجرة تحت مظلة التشريع والقانون، الذي يستخدمه كيف شاء ومتى شاء، والحجة في ذلك مصلحة البلد، والوسيلة قانون معوج، وأدوات سلطوية، أما الغاية فهي مصلحة الأسد والمقربين منه، والغاية تبرر الوسيلة كما تعلمون.

الرحمة كانت ضرورة في الشمال!

في العقد الأخير، ونظرًا للمعاناة التي يعيشها قرابة 4 ملايين مهجر داخليًا من أبناء سوريا، كانت الرسوم الجمركية منخفضة جدًا في إدلب وشمالي سوريا، وهي الرسوم المفروضة على البضائع الأجنبية القادمة من المعابر الحدودية مع تركيا، باب الهوى وباب السلامة وغيرهما.

في المقابل، وتحت سلطة الأسد المغتر الذي يحاول إنكار الثورة حتى الرمق الأخير، كانت الرسوم الجمركية مرتفعة بشكل باهظ على البضائع الأجنبية القادمة من الموانئ السورية في اللاذقية وطرطوس، وأيضًا معبر نصيب مع الأردن، وهذه الرسوم الجمركية المرتفعة كان النظام سابقًا هو من يفرضها على التجار.

إذا قامت الإدارة الجديدة في سوريا بتعميم الرسوم الجمركية التي كان يفرضها النظام سابقًا على جميع المنافذ البرية والبحرية، سيبقى الوضع الاقتصادي متدنيًا لعامة الشعب، وسيؤدي ذلك إلى ركود طويل الأمد

توحيد الرسوم يقطع الطريق أمام ظهور السوق السوداء

الآن وبعد التحرير، كان لا بد أن تقوم الإدارة السورية الجديدة بتوحيد الرسوم الجمركية في جميع المعابر والموانئ والمطارات، بدون امتيازات مناطقيّة تؤدي للإضرار بالناس والتجار في منطقة دون غيرها.

إعلان

فالمنطق يقول، إذا قامت الإدارة الجديدة في سوريا بتعميم الرسوم الجمركية المنخفضة، والمتعارف عليها في شمالي سوريا، فستؤدي لخسارات كبيرة للتجار في مناطق النظام سابقًا، وتحقيق أرباح باهظة لتجار الشمال، الذين سيجلبون بضائعهم إلى أسواق دمشق وحمص وحلب وغيرها، وهنا تكون الحكومة الجديدة أوعزت بظهور أسواق سوداء بين مدن لا يفصل بينها إلا كيلومترات.

وإذا قامت الإدارة الجديدة في سوريا بتعميم الرسوم الجمركية التي كان يفرضها النظام سابقًا على جميع المنافذ البرية والبحرية، فسيبقى الوضع الاقتصادي متدنيًا لعامة الشعب، وسيؤدي ذلك إلى ركود اقتصادي طويل الأمد.

إن وجود رسوم جمركية أمر يعود لتقييم الإدارة الجديدة في سوريا، قد يكون لدعم الصناعات المحلية خلال الفترة القادمة، أو لرفد خزينة الدولة في ظل استمرار فرض العقوبات الدولية عليها

التوازن أساس اتخاذ القرار من منظور منطقي

الحل باختصار، من منظور الحكومة الجديدة في سوريا، كان توحيد الرسوم الجمركية بتخفيض الرسوم في مناطق النظام سابقًا ورفعها في شمالي سوريا، وما حدث وسيحدث من فروقات في الأسعار سينعكس سلبًا وإيجابًا على السوريين، ولكن ليس بالشكل الكبير كما يروج له البعض.

أما في الأصل، فإن وجود رسوم جمركية ـ لها مبررها وفقًا للحالة – أمر يعود لتقييم الإدارة الجديدة في سوريا، قد يكون لدعم الصناعات المحلية خلال الفترة القادمة، أو – كما يرى البعض- لرفد خزينة الدولة في ظل استمرار فرض العقوبات الدولية على سوريا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان