- حين يتكلم المهندس بلغة السماء.. ملامح من رحلة الشيخ محمد المقرمي
هناك أشخاص لا يطرقون أبواب الحياة بصوت مرتفع، ولا يستوقفونك بمظهر أو بمنصب، لكنك كلما اقتربت منهم شعرت أن ثمة نورا خفيا يتسرب إليك دون أن تدري.
يمرون بين الناس بخفة عجيبة، كأنهم لا يريدون أن يعرفوا، لكنهم يتركون أثرا يبقى في القلوب طويلا.. وكان الشيخ المهندس محمد عبدالله المقرمي واحدا من هؤلاء الذين لا يلفتون النظر، لكنهم يوقظون شيئا في داخلك بمجرد أن يتحدثوا.
لم يكن الرجل من خريجي المعاهد الشرعية، ولا من أبناء المؤسسات الدعوية التقليدية، ولا من طلاب الشهرة، ولا من الوعاظ الذين يحسنون هندسة الخطاب.
كان أقرب إلى رجل وجد نفسه في منتصف العمر أمام سؤال كبير: كيف يصير الإنسان أكثر قربا من الله، وأكثر صدقا مع نفسه، وأكثر وعيا بما يحمله عقله من أفكار لا يعرف حتى من أين جاءت؟
ومن هذا السؤال، لا من الكتب وحدها، بدأ المقرمي رحلته مع القرآن.
يحكي المقرمي أنه حين انتقل من العمل الميداني إلى الإدارة، وقل الاحتكاك المباشر والمجهود اليومي، وجد في يومه فراغا لا يعرف كيف يملؤه
من عزلة ريفية إلى هندسة الطيران
ولد المقرمي في قرية صغيرة بمديرية الشمايتين في محافظة تعز اليمنية، في بيئة بسيطة لا تحمل شيئا من ضجيج المدن.
طفل يرى الجبال صباحا، والضباب، وهدوء البيوت ليلا… ذلك الهدوء الذي يصنع في بعض النفوس قدرة نادرة على التأمل، والإنصات، والصبر.
لكن الطريق قاده بعيدا عن الريف. دخل ميدان الهندسة، ودرس الكهرباء، ثم تخصص في مجال الطيران المدني، حيث لا مجال للتردد، ولا مساحة للخطأ. تعلم هناك الانضباط، والدقة، وتحليل الأنظمة المعقدة، لكن شيئا من البساطة الأولى لم يفارقه قط.
ظل يحمل تلك الروح القريبة من الفطرة، وكأن العلم -رغم صرامته- لم ينجح في اقتلاع الجذور الأولى بداخله. ولعل هذا التوازن بين العقل الهندسي والروح الريفية هو ما سيصبح فيما بعد سرا من أسرار شخصيته الدعوية.
البداية.. حين يوقظ الفراغ سؤالا
يحكي المقرمي أنه حين انتقل من العمل الميداني إلى الإدارة، وقل الاحتكاك المباشر والمجهود اليومي، وجد في يومه فراغا لا يعرف كيف يملؤه. كان يظن أن قلة العمل راحة، واكتشف أنها نوع من التيه الداخلي إن لم يجد الإنسان ما يشغل روحه.
في تلك الفترة بدأ يصعد إلى سطح منزله كل ليلة. يجلس وحده، ينظر إلى السماء، ويترك عقله يسأل.. ويسأل.. دون أن يجد إجابة جاهزة. كانت تلك الجلسات -كما يقول- بداية طريق لم يكن يعرفه من قبل.
ومن هذه العزلة الهادئة بدأ يسمع القرآن بطريقة مختلفة، لا كآيات تقرأ، ولا كسور تحفظ، بل كخطاب موجه له شخصيا، خطاب يعيش معه لا أمامه.
ومن هنا تماما بدأت الرحلة: رحلة رجل لا يريد أن يتعلم "معلومات عن القرآن"، بل يريد أن يتعلم كيف يعيش القرآن.
من أعجب ما كان يقوله المقرمي -وما أثار دهشة كثيرين- أن أكبر حاجز يحول بين الإنسان وبين فهم القرآن ليس عدم فهم معانيه ولا تدبر آياته، بل ذنب يغفل عنه الكثير، وهو الكذب
كيف يجتمع العقل والروح في رجل واحد؟
ربما كانت أعجب سمات المقرمي أنه استطاع أن يجمع بين عقل هندسي تحليلي، وروح شفافة هادئة. فلم يكن تفسيره للآيات يشبه ما نقرأ في الكتب، ولا حتى يشبه خطب الوعاظ. كان يبحث عن "المعنى الذي يعمل في الإنسان"، لا عن المعنى الذي يعجب المستمع.
حين يتحدث عن قصة يوسف أو زكريا أو موسى، لا يقدمها بوصفها قصة تاريخية، بل يقدمها كتجربة نفسية وروحية يعيشها الإنسان كل يوم. يشرح القصة كما يشرح المهندس مخططا معقدا: يضع النقاط، والفجوات، والروابط، والتحولات، ثم يفتح أمامك نافذة جديدة ترى منها المعنى بطريقة لم ترها من قبل.
كان يرى أن القرآن يتحدث إلى النفس من جهتين: جهة العقل، وجهة الروح. ولذلك لم يكن يرضى بتدين يعطل العقل، ولا بتدين بلا عاطفة، ولا بعاطفة بلا بناء فكري.
كان يريد للإنسان أن يقف أمام القرآن بعقله وقلبه، بتجربته الشخصية لا بمعرفة غيره.
المانع الأكبر الذي لا يلتفت إليه أحد
من أعجب ما كان يقوله المقرمي -وما أثار دهشة كثيرين- أن أكبر حاجز يحول بين الإنسان وبين فهم القرآن ليس عدم فهم معانيه ولا تدبر آياته، بل ذنب يغفل عنه الكثير، وهو الكذب.
الكذب الذي لا نشعر به، الكذبة الصغيرة التي نبررها، الخبر الذي نردده بلا تثبت، الفكرة التي نحتضنها لأنها تريحنا، لا لأنها صحيحة. يرى أن الكذب يشوه "مركز الإدراك"، فيصبح العقل غير قادر على رؤية الحقيقة حتى لو كانت أمامه. كان يقول: "القرآن لا يفتح خزائنه لقلب يكذب".
ولهذا كان يعتبر التخلص من الكذب رحلة روحية وذهنية في آن واحد. ويقدم خطوات عملية: تتبع مواقف قديمة، الاعتراف الداخلي، الاستغفار، ثم التدريب على قول الحقيقة حتى لو كانت مرة. كان يرى أن الصدق ليس أخلاقا فقط، بل شرطا لبناء عقل سليم.
على الرغم من أنه لم يسعَ للشهرة، فإن تسجيلاته في السنوات الأخيرة انتشرت على نطاق واسع. ربما لأن الناس اليوم متعطشون لخطاب يلامس الإنسان من الداخل، لا خطاب يقدم حلولا جاهزة
التدبر.. ليس علما بل صحبة
لا يتحدث المقرمي عن التدبر بوصفه مهارة أو علما يتعلم، بل يراه "صحبة". والصحبة -كما يقول- تحتاج إلى وقت، وصمت، وصدق، ورغبة في أن تعمل الآية في الداخل.
كان يقرأ القصص القرآنية قراءة "متابعة كاملة"، يكرر السورة عشرات المرات ليكتشف الفجوات الجمالية التي يتركها القرآن عمدا، كي يشرك عقل الإنسان في ملء المساحات. يقول إن القرآن لا يعطيك المعنى مباشرة، بل يدرب عقلك على إنتاجه.
وفي هذا المنهج تظهر بوضوح بقايا التدريب الهندسي: منهجية، ترتيب، تحليل، ثم بناء معنى جديد من داخل النص.
لماذا اقترب الناس منه؟
- ليس لأنه عالم كبير، ولا لأنه صاحب مدرسة فكرية، ولا لأنه يمتلك خطابا مذهلا.
- اقترب الناس منه لأنه كان صادقا.
- لأنك حين تسمعه تشعر أنه لا يريد أن يعلمك، بل يريد أن يشاركك تجربته.
- لا يضع نفسه فوقك، ولا يتحدث من برج عالٍ، بل يتحدث كإنسان يسير معك في الطريق نفسه.
- كأنه يقول لك: "تعال نكتشف هذا المعنى سويا… دعنا كي نرى ما الذي يقوله القرآن لنا اليوم."
هذه الطريقة لا تنجح مع كل الناس، لكنها نجحت معه لأنه عاش ما يقول، ولم يقل ما لم يعشه.
انتشر خبر وفاته فجأة، لا لأن الرجل كان مشهورا، بل لأن أثره كان صادقا. بكى عليه من لم يلتقه قط، وتأثر به شباب لم يعرفوا عنه الكثير، لكنّ شيئا من كلامه لامس قلوبهم ولم يغادرها
بين الفضاء الرقمي والواقع
على الرغم من أنه لم يسعَ للشهرة، إلا أن تسجيلاته في السنوات الأخيرة انتشرت على نطاق واسع. ربما لأن الناس اليوم متعطشون لخطاب يلامس الإنسان من الداخل، لا خطاب يقدم حلولا جاهزة.
كان يظهر في برامج قرآنية ومحاضرات تدبر، ويناقش قضايا النفس، والعقل، والابتلاء، ولغة القرآن، دون أن يدخل في صراعات أو جدالات. ولم تكن دعوته محصورة في الكلام فقط؛ بل شارك في مبادرات اجتماعية وخيرية، واهتم بربط العلم بالعمل، والقلب بالواجب.
الرحيل.. حين يصبح الختام رسالة
في يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وفي مكة المكرمة، وبينما كان يستعد لصلاة الفجر، فاضت روحه إلى الله. رحل كما عاش، في صمت يشبه صمته الأول، وفي لحظة يختارها الله لأهل القلوب الطيبة.
انتشر خبر وفاته فجأة، لا لأن الرجل كان مشهورا، بل لأن أثره كان صادقا. بكى عليه من لم يلتقه قط، وتأثر به شباب لم يعرفوا عنه الكثير، لكن شيئا من كلامه لامس قلوبهم ولم يغادرها.
كان رجلا صادقا وجد في القرآن طريقه، فأضاء الطريق لغيره. وقد يظل أثره ممتدا لا لأنه قال الكثير، بل لأنه قال ما عاشه، وعاش ما آمن به
هل كانت رسالته الأخيرة؟
ربما كانت رسالته -بعد كل ما قدمه- واضحة وبسيطة: اقرأ القرآن كما لو أنك تقرأ نفسك. وابحث عن الصدق، لأنه الباب الذي تفتح بعده كل الأبواب.
وليس الإيمان معلومة نعرفها، بل حالة نعيشها.. حالة نرى فيها أنفسنا بعيون القرآن، لا بعيون الخوف أو العادة أو المجتمع.
لم يكن المقرمي نجما، ولا شيخا تقليديا، ولا مفكرا يكتب مجلدات. كان رجلا صادقا وجد في القرآن طريقه، فأضاء الطريق لغيره. وقد يظل أثره ممتدا لا لأنه قال الكثير، بل لأنه قال ما عاشه، وعاش ما آمن به.
ربما لهذا السبب بقي اسمه حاضرا بعد رحيله، وبقيت كلماته تمشي في القلوب بخفة، كما كان يمشي هو في الحياة: هادئا.. صادقا.. قريبا من الله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

