كيف يُستهدف استقرار سوريا في أخطر مرحلة انتقالية؟

آلاف السوريين في ساحة الأمويين بدمشق اليوم احتفالا بجمعة التحرير
الكاتب: الدولة تحاول تثبيت الأمن والمجتمع يحاول لملمة جراحه (الجزيرة)
  • سوريا على حافة الاستهداف المنهجي: قراءة في مشهد الفتنة وتداعيات الخطر

تمر سوريا اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، مرحلة انتقالية دقيقة لم تكتمل فيها بعد مقومات الاستقرار، في ظل واقع أمني لا يزال ناشئا، ومؤسسات تعيد بناء نفسها بعد سنوات طويلة من الحرب والتفكك.

وفي مثل هذه المراحل، تصبح الدول أكثر عرضة للاختراق، وتتحول الفتنة إلى السلاح الأخطر، لأنها لا تُطلق من المدافع بل من العقول، ولا تهدم الجدران فقط، بل تضرب النسيج الاجتماعي من الداخل.

في الأيام الأخيرة، صار يخرج إلى الواجهة مثيرو الفتنة والمحرضون على القتل والانقسام، بأشكال متعددة وتسميات خادعة. تارة تطرح مشاريع الانفصال تحت لافتات "الفدرالية" و"الحكم اللامركزي"، وطورا يجري التحريض الطائفي والمناطقي، فيما تتكامل الأدوار بين أطراف مختلفة، من "قسد" في الشمال الشرقي، إلى شخصيات وأسماء باتت معروفة بخطابها التحريضي، وصولا إلى جماعات تحاول تقديم نفسها كمرجعيات دينية أو اجتماعية، بينما هي في الواقع أدوات لتفجير الداخل السوري.

أخطر ما يواجه سوريا اليوم هو تحويل الخلافات السياسية أو الاجتماعية إلى صراع وجودي، وتصوير الوطن وكأنه ساحة لتصفية الحسابات أو مشروع قابل للتقسيم

ما يجري ليس عفويا، ولا يمكن قراءته كأحداث منفصلة. إشعال جبهات في حلب يوما، وتفجير مسجد في يوم آخر، ثم الدعوة إلى تظاهرات في توقيت حساس، كلها حلقات في سلسلة واحدة هدفها إرباك المشهد، واستنزاف الأمن، وفتح الأبواب أمام من يريد استغلال التجمعات الشعبية لتنفيذ أعمال عنف تجر البلاد إلى مربع الفوضى من جديد.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفعل المباشر، بل في البيئة التي يراد خلقها. فحين يدفع الناس إلى الشارع تحت عناوين عاطفية أو مطالب محقة ظاهريا، دون أي ضمانات أو ضوابط، تصبح التجمعات ساحة مفتوحة للاختراق، وتتحول المطالب إلى وقود لمشاريع تفجير أمني وسياسي. وهذا ما يجعل الدعوات غير المنضبطة في هذه المرحلة خطرا مضاعفا، حتى وإن رفعت باسم الحقوق أو المظلومية.

إعلان

سوريا اليوم ليست سوريا الأمس. الدولة تحاول تثبيت الأمن، والمجتمع يحاول لملمة جراحه، وأي اهتزاز في هذه المرحلة قد تكون كلفته أعلى بكثير من السابق.

إن اللعب على وتر الطائفية والانقسام، أو تسويق نماذج انفصالية مستوردة لا تنسجم مع الواقع السوري، لا يخدم إلا أعداء سوريا، ويمنح الخارج فرصة جديدة للتدخل وإعادة إنتاج الصراع بأدوات داخلية.

سوريا محاطة بالمخاطر، نعم، لكنها ليست بلا مناعة. ومناعة الدول لا تقاس بعدد السلاح فقط، بل بوعي شعبها

إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم هو تحويل الخلافات السياسية أو الاجتماعية إلى صراع وجودي، وتصوير الوطن وكأنه ساحة لتصفية الحسابات أو مشروع قابل للتقسيم. فالدول لا تقسم دفعة واحدة، بل تبدأ بتآكل الثقة، ثم شرخ المجتمع، ثم انهيار فكرة العيش المشترك.

من هنا، فإن المسؤولية تقع على الجميع: على النخب، والفعاليات الاجتماعية، ورجال الدين، والإعلام، قبل عامة الناس. المطلوب هو الوعي، وضبط الانفعال، ورفض الانجرار خلف دعوات مشبوهة، مهما كان خطابها جذابا أو عاطفيا.

فالحفاظ على سوريا اليوم لا يكون بالصراخ ولا بالتحريض، بل بحماية السلم الأهلي، وإعطاء الدولة والمجتمع فرصة حقيقية لعبور هذه المرحلة بأقل الخسائر.

سوريا محاطة بالمخاطر، نعم، لكنها ليست بلا مناعة. ومناعة الدول لا تقاس بعدد السلاح فقط، بل بوعي شعبها، وقدرته على تمييز من يريد له الحياة، ممن يتغذى على دمه وانقسامه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان