يوما بعد يوم تكبر قطر في عيون ناظريها، من كأس العالم التي أبهرت وأدهشت وأتقنت، إلى احتضان فعاليات كأس العرب، في افتتاح مهيب وأسطوري.
وفي هذا العرس العربي الجميل اجتمعت حضارة العرب وعاداتهم وأحلامهم، حيث نجحت قطر في جمع العرب في ليلة استثنائية، قدمت فيها رسائل أكدت إبراز فكرة البيت العربي الكبير كمكان يجمع العرب معا، متجاوزين الحدود والفوارق، وأنهم شعب واحد متحد عبر التاريخ.
ما يجمع العرب أكبر من حرف الضاد أو مجرد كرة قدم، وأنهم متفقون يقفون ويستطيعون البناء والعلو، فيما لو تفرقوا تهاوى الجمع وتشتت. ورسالة تفاؤلية بالمستقبل، وآمال بأن ينهض من تحت الركام جيل جديد يتنفس عطاء، ويضع لبنات البناء التي تعيد المجد لهذه الأمة.
أما فلسطين فكانت حاضرة في هذا الحفل، في تضامن ليس جديدا أو غريبا على قطر وشعبها. وفي مشهد انسيابي ومؤثر، جمع قصص الأناشيد الوطنية للدول العربية في غنائية عبرت عن معانٍ كبيرة، وأكدت وحدة الشعوب وعراقتها.
تجدر الإشارة والتذكير بأن ملاعب قطر صممت وفق معايير عالمية، وهي الأفضل على الإطلاق؛ فهي لم تعتمد بناء ملاعب يطلق عليها مصطلح "الأفيال البيضاء" ببناء أبنية ضخمة لا داعي لها، بل شيدت على مبدأ الاستدامة واستخدام أدوات صديقة للبيئة
تثبت قطر حضورها في المحافل الدولية، وتقول للعالم: أهلا بكم مرة أخرى. ومن جديد، كأس العرب في قطر، وللمرة الثانية على التوالي، تجمع أشقاءها العرب من المحيط إلى الخليج في هذه الاحتفالية الكروية التي تعد الكبرى في العالم العربي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قطر مرة أخرى؟ وما هذا إلا دلالة على نجاحها وتفردها؛ فهي التي ثابرت ووضعت بصمتها على خارطة العرب والعالم، فأصبح يشار إليها بالبنان لما تمتلكه من قدرات استثنائية على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، وتمثل كأس العرب فصلا جديدا في هذا الإرث الرياضي الغني والمتنوع.
قطر، خلال أعوام مضت، وضعت رؤيتها وحددت هدفها وسخرت إمكاناتها، وبذلت كل ما تستطيع لتحقيق ما رأيناه من ترتيبات لإقامة كأس العالم على أرض صغيرة حجما، كبيرة بالفعل. فكان لها ما أرادت، واستقر الهدف، وجاءت في هذه البطولة لتبني على ما تم إنجازه، وتعطي أكثر وأكثر.
خلال أيام البطولة تمتلئ ملاعب قطر بالجماهير، وتتحول ملاعب المونديال الأيقونية إلى مسرح جديد للإثارة الكروية العربية، يستفيد فيها المشاركون والجماهير من منظومة متكاملة أسست على أرقى المعايير العالمية.
وتجدر الإشارة والتذكير بأن ملاعب قطر صممت وفق معايير عالمية، وهي الأفضل على الإطلاق؛ فهي لم تعتمد بناء ملاعب يطلق عليها مصطلح "الأفيال البيضاء" ببناء أبنية ضخمة لا داعي لها، بل شيدت على مبدأ الاستدامة واستخدام أدوات صديقة للبيئة، بحيث يمكن تفكيك وإعادة استخدام الملاعب وفق خطة مدروسة بمجرد الانتهاء منها، سواء بإعادة تدويرها في مشروعات داخلية أو بالتبرع بها وإهدائها إلى دول أخرى لرفع كفاءة منشآتها الرياضية. إضافة إلى أنها ملاعب بلا تدخين، ويصدح فيها صوت الأذان.
وإضافة إلى الملاعب المونديالية، تستفيد البطولة من البنية التحتية الرياضية الواسعة في قطر، التي أولتها اهتماما كبيرا وكرست جهودا كبيرة لتطويرها إلى مستوى عالمي، بما في ذلك مرافق التدريب الحديثة ومناطق المشجعين التي توفر تجربة ترفيهية متكاملة. وفي نقطة تحسب لهذه الجهود، تتضمن الملاعب خيارات أماكن مخصصة للمشجعين من ذوي الإعاقة.
بينما تدار المباريات، تقام في الجهة الأخرى مجموعة من الفعاليات الثقافية والترفيهية لتعزيز تجربة المشجعين وخلق أجواء إيجابية وبناء جسور بينهم، حيث ترحب قطر بهم بطريقتها وبحسن وكرم الأخلاق والضيافة
ولا بد من ذكر تسهيلات حركة المشجعين من خلال شبكة منظمة من المواصلات، فنجاحها يعد حجر الزاوية في إنجاح البطولة؛ إذ توفر شبكة نقل حديثة ومتكاملة تتمتع بالسلاسة والفاعلية، مع وجود مترو الدوحة، العمود الفقري للمدينة، الذي يربط غالبية الملاعب والمناطق الحيوية خلال دقائق معدودة، بجانب منظومة نقل عام فعالة وسلسة الحركة خلال الفعاليات الكبرى، فضلا عن طرق حديثة تساهم بصورة كبيرة في تقليل الازدحام وتعزيز انسيابية حركة الجماهير.
هذا ويتوفر أسطول حديث من الحافلات الكهربائية الصديقة للبيئة لتقليل الانبعاثات الكربونية، وكذلك خدمة نقل عام مستدامة وفعالة تشمل "مترولينك"، والتي تتمثل في شبكة حافلات فرعية مجانية تربط بين محطات المترو والأماكن المحيطة.
وفي كل مرحلة من مراحل تطوير قطاع النقل والمواصلات، تركز قطر على الاستدامة عبر استخدام الحافلات الكهربائية وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وتوفير تجربة سلسة في نقل المشجعين، مع الأخذ في الاعتبار احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة عند تصميم وسائل النقل والمحطات، وهو ما يساعد على ترك إرث مستدام يعزز من مكانة قطر كمركز للفعاليات العالمية.
وبينما تدار المباريات، تقام في الجهة الأخرى مجموعة من الفعاليات الثقافية والترفيهية لتعزيز تجربة المشجعين وخلق أجواء إيجابية وبناء جسور بينهم، حيث ترحب قطر بهم بطريقتها وبحسن وكرم الأخلاق والضيافة.
قطر لا تمتلك المال فقط، إنما تتبع قواعد النجاح؛ تركز على الإنسان وفكره وتطويره، ولا تترك جهدا في الاستفادة من خبرات الآخرين والتعلم منها والبناء عليها
أي إنجاز هذا؟ خطوة تحسب وتقدر، ونقطة بألف هدف. فقطر تربط استثمارها في الرياضة بتحقيق نمو اقتصادي وسياحي، وفي الوقت نفسه، وفي هذا المحفل العربي الأخوي، تزيل أسباب الفرقة وتقرب المسافات في تجمع لم نكن نراه أو نشهد له في فعاليات كأس العرب السابقة.
أي إنجاز هذا في أكبر تجمع عربي؟ إذن هي الإرادة الجادة والحقيقية المنتمية، تغلفها الشجاعة والاقتدار، الساعية لبث الخير.
قطر لا تمتلك المال فقط، إنما تتبع قواعد النجاح؛ تركز على الإنسان وفكره وتطويره، ولا تترك جهدا في الاستفادة من خبرات الآخرين والتعلم منها والبناء عليها، وتعطي الفرص وتمنح المساحات للعطاء لمن يريد، من القطريين أو غيرهم ممن يعيشون على أرضها.
من استاد ملعب البيت كان الافتتاح، ولن تكون النهاية. قطر على الدوام البيت الذي يجمع ولا يفرق، يلم الجراح ويبث الطمأنينة.
الأمل يحدونا لأن نزيد ما تم بناؤه فكريا وروحيا ومعنويا في قطر، وفي غيرها من شقيقاتها من الدول العربية والإسلامية، حتى نغدو منارة يهتدى بها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
