لماذا يواجه مودي أسوأ أزماته في السياسة الخارجية عام 2025؟

Indian Prime Minister Narendra Modi addre4sses the media on his arrival for the first session of India's newly elected parliament in New Delhi on June 4, 2014. The first session of India's newly elected parliament lasted only minutes as lawmakers immediately adjourned in a mark of respect for a government minister who died in a car crash with the process of swearing-in the 543 members of the Lok Sabha pushed back to June 5. AFP PHOTO/RAVEENDRAN - ناريندرا مودي
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (الفرنسية)
  • لماذا كان عام 2025 هو الأصعب في السياسة الخارجية لناريندرا مودي؟

لعقود خلت، دأبت نيودلهي على ترويج صورة "معلّم العالم" (Vishwaguru)، مستعرضة ببراعة توازنا دقيقا بين القوى العالمية المتنافسة، ومقدمة نفسها كبطل مدافع عن مصالح "الجنوب العالمي".

كانت العقيدة الموجهة لهذه التحركات، هي "الاستقلالية الإستراتيجية"؛ أي القدرة على الانخراط مع كافة الأطراف دون الارتهان لأي منها. بيد أن عام 2025 جاء ليكشف بوضوح قاسٍ عن حدود هذا النهج.

فما كان يشاد به سابقا كبراعة دبلوماسية، باتت العواصم العالمية تنظر إليه اليوم، على أنه "انعزال نفعي". ومع اقتراب العام من نهايته، يواجه رئيس الوزراء ناريندرا مودي واقعا مثيرا للقلق: الهند اليوم أكثر عزلة مما كانت عليه طوال عقد من الزمان.

تحولت الأزمة الدبلوماسية مع كندا إلى جرح غائر دائم. فما بدأ كمزاعم تتعلق باغتيال هارديب سينغ نيجار، تدحرج ككرة ثلج ليصبح أزمة سمعة أوسع نطاقا

تداعي الوهم الغربي

لعل التصدع الأخطر الذي شهده عام 2025 هو الفتور السريع في العلاقات مع الولايات المتحدة. فلسنوات، تغاضت واشنطن عن التراجع الديمقراطي والسياسات الاقتصادية الحمائية في نيودلهي، مراهنة على الهند ككفة موازنة للصين. لكن هذا الرهان فسد في ظل الحقائق الجيوسياسية الجديدة لهذا العام.

لقد جردت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العلاقات من المجاملات الدبلوماسية المعتادة. وقد شكل فرض تعريفات جمركية باهظة على البضائع الهندية -كإجراء انتقامي ضد الضرائب الهندية على الخدمات الرقمية والحواجز الحمائية- ضربة قوية للاقتصاد الهندي.

وخلافا للإدارات السابقة التي غلبت الشراكة الإستراتيجية على النزاعات التجارية، فإن النهج الأميركي الحالي بات "صفقيا" بامتياز.

ولا تقتصر التداعيات على الجانب الاقتصادي فحسب؛ بل إن تجدد الانخراط الأميركي مع باكستان، وانتقاد واشنطن الصريح لاستمرار شراء الهند الطاقة الروسية، يشيران إلى فقدان الهند وضعها "الاستثنائي" في السياسة الخارجية الأميركية.

إعلان

وفي الوقت ذاته، تحولت الأزمة الدبلوماسية مع كندا إلى جرح غائر دائم. فما بدأ كمزاعم تتعلق باغتيال هارديب سينغ نيجار، تدحرج ككرة ثلج ليصبح أزمة سمعة أوسع نطاقا. وقد أبقت الدعوى القضائية الأخيرة التي رفعها ضابط حدود كندي -زاعما تلفيق تهم ضده من قبل التضليل الهندي- القضية في صدارة العناوين العالمية.

وقد فشل رد نيودلهي الرافض- الذي صور هذه المخاوف كمجرد مناورات سياسية من قبل أوتاوا- في إقناع أجهزة الاستخبارات الغربية التي باتت ترى نمطا من "العدوان العابر للحدود" يتناقض مع ادعاءات الهند بكونها ديمقراطية تحترم القانون الدولي.

إن السمة المتكررة عبر جنوب آسيا في عام 2025 واضحة: لم تعد الهند تُرى كـ"أخ أكبر" خيّر، بل كـ"قوة مهيمنة متدخلة" لا تتسامح مع المعارضة السياسية في فنائها الخلفي

"الجوار أولا".. شعار في مهب الريح

على الصعيد الإقليمي، باتت سياسة "الجوار أولا" أثرا بعد عين. فقد شكل انهيار نظام الشيخة حسينة في بنغلاديش فشلا استخباراتيا ودبلوماسيا ذريعا لنيودلهي. فمن خلال وضع كل رهاناتها على زعيمة واحدة تزايدت شعبيتها تدهورا، خسرت الهند الرأي العام البنغلاديشي.

وقد قوبلت الحكومة المؤقتة في داكا، بقيادة محمد يونس، ببرود من قبل نيودلهي، وهي خطوة فسرت على نطاق واسع بأنها "نكد سياسي" وليست حصافة دبلوماسية.

وبينما يضخم الإعلام الهندي روايات اضطهاد الأقليات في بنغلاديش، لم تبدِ نيودلهي شهية تذكر للانخراط البناء مع مراكز القوة الجديدة هناك. ويتم ملء هذا الفراغ بسرعة من قبل لاعبين آخرين، بمن فيهم باكستان والصين، مما أدى فعليا إلى تطويق الهند بجيران غير مبالين أو معادين.

وتظل جزر المالديف قضية خاسرة أخرى، مع انجراف ماليه بثبات نحو المدار الصيني. إن السمة المتكررة عبر جنوب آسيا في عام 2025 واضحة: لم تعد الهند تُرى كـ"أخ أكبر" خيّر، بل كـ"قوة مهيمنة متدخلة" لا تتسامح مع المعارضة السياسية في فنائها الخلفي.

إن "العناق الحار" مع بوتين لا يشير إلى القوة؛ بل يشير إلى حاجة ماسة لأمن الطاقة وقطع غيار الدفاع، بغض النظر عن التكلفة المتعلقة بالسمعة الدولية

العبء الروسي الثقيل

لعل الدليل الأوضح على المأزق الإستراتيجي للهند هو استمرار احتضان فلاديمير بوتين. وقد صور الإعلام الرسمي الهندي زيارة الرئيس الروسي للهند في ديسمبر/كانون الأول 2025 كانتصار لسياسة خارجية مستقلة. لكنها، في الواقع، سلطت الضوء على تضاؤل خيارات الهند.

بينما يشدد الغرب الخناق الاقتصادي حول موسكو، لم يعد قرار نيودلهي بتعميق علاقات الطاقة والتجارة مع روسيا ينظر إليه كـ"حياد"، بل كتمويل نشط للمجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. وقد أدى هذا إلى تنفير الشركاء الأوروبيين الذين كانوا مستعدين سابقا للتساهل مع الهند.

إن "العناق الحار" مع بوتين لا يشير إلى القوة؛ بل يشير إلى حاجة ماسة لأمن الطاقة وقطع غيار الدفاع، بغض النظر عن التكلفة المتعلقة بالسمعة الدولية. إنه يعزز السردية القائلة إن الهند طرف "مفسد" في النظام الدولي القائم على القواعد، ولا يهتم سوى بالمكاسب قصيرة الأمد.

في قضايا حاسمة مثل الأزمة في غزة، مال اصطفاف الهند بشكل واضح نحو إسرائيل والغرب، مما وضعها في تضاد مع الدول العربية والأفريقية التي تدعي قيادتها

القيادة الجوفاء للجنوب العالمي

أخيرا، واجه الدور الذي نصبت الهند نفسها له كـ"صوت الجنوب العالمي" أزمة مصداقية حادة. فبعيدا عن الخطابات الرنانة، تظل قدرة نيودلهي على تقديم منافع مادية للدول النامية محدودة للغاية، مقارنة بالموارد المالية الضخمة للصين.

إعلان

لكن الأكثر ضررا هو تصور "النفاق السياسي". ففي قضايا حاسمة مثل الأزمة في غزة، مال اصطفاف الهند بشكل واضح نحو إسرائيل والغرب، مما وضعها في تضاد مع الدول العربية والأفريقية التي تدعي قيادتها.

إن الجنوب العالمي يتوقع التضامن، لا المواقف الضبابية. وبمحاولتها إرضاء الجميع، انتهى المطاف بالهند إلى عدم إرضاء أحد. وباتت الدول النامية تدرك أنه عندما تحتدم الأمور، فإن "استقلالية" الهند تعني غالبا البحث عن مصالحها الخاصة، تاركة الشركاء الضعفاء يواجهون مصيرهم وحدهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان