- قراءة شخصية.. كيف يمكن قراءة تجربة الرئيس أحمد الشرع في ضوء فتح مكة؟
تبدو مشاريع التحرير الكبرى عبر التاريخ لحظات مفصلية، لا لأنها تنتهي بانتصار عسكري فحسب، بل لأنها تكشف طبيعة القيادة ومدى وعيها بالسنن الاجتماعية والتاريخية التي تحكم مسارات التغيير. فالانتصار، في ذاته، لا يكفي معيارا للنجاح، ما لم يترجم إلى عدل واستقرار وإحياء للقيم.
ولعل من أبرز النماذج التي تستحضر في هذا السياق فتح مكة على يد النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- حيث اجتمع فيه الحزم والرحمة، والإعداد الطويل والقرار الحاسم، لترسيخ معنى أن الفتح الحقيقي هو فتح القلوب قبل المدن.
في ضوء هذا النموذج، يمكن من زاوية شخصية قراءة مسيرة الرئيس أحمد الشرع كما تظهر في عدد من التحليلات الإعلامية، ولا سيما برنامج أحمد منصور (40 سرا عن خطة الشرع لتحرير سوريا)، إضافة إلى مشاهدات ميدانية عايشت بعض تفاصيلها خلال زيارات سابقة لمدينة إدلب، وروايات متداولة من داخل المنطقة، فضلا عما تشهده الساحة السورية اليوم من تطورات متسارعة.
هذه العناصر مجتمعة تتيح قراءة التجربة بوصفها محاولة لتشكيل مشروع تحرري يستدعي قيما أخلاقية ودينية مستمدة من السيرة النبوية، ومن أدبيات الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، مع قدر من الوعي بواقع العصر وتعقيداته.
تحاول هذه القراءة مقاربة هذا النهج من زاوية فكرية وتاريخية، من خلال استحضار رمزية فتح مكة، ليس بوصفها إسقاطات معيارية، بل كنماذج تاريخية يعاد توظيفها رمزيا لفهم كيفية تحويل القيم إلى أدوات عملية في مسارات التغيير.
في القراءة الإعلامية لخطة الرئيس أحمد الشرع، يبرز تركيز واضح على بناء تحالفات واسعة بين قوى سورية متعددة، بوصفها مدخلا لخلق وحدة مجتمعية تسبق أي حسم سياسي أو عسكري
التدرج من البناء إلى التمكين
يورد ابن القيم في زاد المعاد قوله: (كان فتح مكة من آثار الصلح، فكانت الحكمة الإلهية في تأخير الفتح حتى يتم التدرج وتتهيأ النفوس لقبوله). فقد جاء الفتح ثمرة إعداد طويل، شمل بناء المجتمع، وترسيخ القيم، وإدارة التحالفات.
من هذا المنطلق، يمكن فهم مقاربة الرئيس أحمد الشرع التي بدت قائمة، بحسب ما يظهر في خطابه وممارسات الجهات المرتبطة به، على فكرة التدرج قبل الحسم، من خلال:
- التركيز على خطاب تعبوي ذي بعد أخلاقي وسياسي.
- دعم هياكل إدارية وخدمية في إدلب عبر مؤسسات محلية، مع السعي نحو قدر من الاكتفاء الذاتي.
- توسيع شبكة التواصل الاجتماعي والسياسي عبر لقاءات شملت فئات سورية متنوعة، إضافة إلى إعلاميين ووفود أجنبية.
في تقديري، يعكس هذا المسار قناعة مفادها أن أي نصر غير مسبوق بإعداد مجتمعي يبقى مهددا بالانتكاس، وهي فكرة تتقاطع مع دروس تاريخية إسلامية متكررة حول سنن التغيير.
التحالفات والمرونة السياسية
يحيل الحديث النبوي (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) إلى أصل راسخ في فكرة التعاون والتحالف لتحقيق المصالح العامة، وهو ما تجسد تاريخيا في صلح الحديبية ومراسلات النبي صلى الله عليه وسلم مع القوى المحيطة.
في القراءة الإعلامية لخطة الرئيس أحمد الشرع، يبرز تركيز واضح على بناء تحالفات واسعة بين قوى سورية متعددة، بوصفها مدخلا لخلق وحدة مجتمعية تسبق أي حسم سياسي أو عسكري.
كما يظهر خطاب منفتح على الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية، مع التأكيد المتكرر على الثوابت الوطنية. هذا التوجه، كما يبدو لي، يستدعي رمزية الدبلوماسية النبوية التي جمعت بين الثبات والمرونة، وإن كان نجاحه العملي يبقى رهين توازنات داخلية وخارجية معقدة.
برزت مساعٍ لإرساء أطر إدارية وقانونية، تجسدت، بحسب ما أعلن، في مسودة إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، وانتخابات مجلس الشعب
ضبط السلوك والرحمة كمدخل للقيادة
عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا، اختار العفو بدل الانتقام، قائلا: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، مؤسسا لنهج يقوم على إعادة بناء الثقة بعد الصراع.
في هذا السياق، يلاحظ أن الخطاب الصادر عن الرئيس أحمد الشرع والجهات المرتبطة به يركز على مفاهيم مثل ضبط الانفعالات، ومنع أعمال الانتقام، وحماية المدنيين، وهي مفردات تستدعي، في تقديري، نموذج فتح مكة بوصفه مرجعية أخلاقية.
وقد وجهت إدارات محلية في المناطق الخاضعة لنفوذه إلى اعتماد خطاب أكثر انضباطا في التعامل مع الناس، باعتبار الأخلاق جزءا من هوية المشروع نفسه. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحا حول مدى قدرة هذا الخطاب على الاستمرار أمام تحديات ما بعد الصراع.
من منطق الثورة إلى بناء المؤسسات
ينسب إلى عمر بن الخطاب قوله: (لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة)، في إشارة إلى مركزية التنظيم والمؤسسات في حفظ الاستقرار.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة محاولات الرئيس أحمد الشرع بناء هياكل حكم باعتبارها سعيا للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة. فقد برزت مساعٍ لإرساء أطر إدارية وقانونية، تجسدت، بحسب ما أعلن، في مسودة إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، وانتخابات مجلس الشعب مؤخرا. هذه الخطوات، كما تبدو، تعبر عن محاولة لتحويل السيطرة الميدانية إلى شرعية مؤسسية.
يظهر اهتمام الرئيس أحمد الشرع بالإعلام كأداة لتشكيل الوعي، وبناء رواية وطنية جامعة تخاطب الإنسان قبل الخصم، وتقدم مشروع التحرير بوصفه مسارا إصلاحيا يسعى إلى العدالة لا إلى إعادة إنتاج الصراع
الإعلام ومعركة الوعي
لم يكن فتح مكة إنجازا عسكريا فقط، بل سبقته إدارة واعية للرأي العام، عبر الرسائل والخطاب. وكما قال مالك بن نبي: (معركة الأفكار تسبق معركة السلاح).
في هذا السياق، يظهر اهتمام الرئيس أحمد الشرع بالإعلام كأداة لتشكيل الوعي، وبناء رواية وطنية جامعة تخاطب الإنسان قبل الخصم، وتقدم مشروع التحرير بوصفه مسارا إصلاحيا يسعى إلى العدالة لا إلى إعادة إنتاج الصراع. وهو رهان يبدو، في المرحلة الراهنة، جزءا أساسيا من معركة السيطرة على المعنى.
نحو مسارات إصلاحية أقل صداما
تبرز دروس التاريخ، من فتح مكة إلى تجربة صلاح الدين، أن إدارة ما بعد الصراع لا تقل أهمية عن إدارة الحرب نفسها. ومن القيم التي يمكن استلهامها في السياق السوري المعاصر:
- العفو والمصالحة الوطنية.
- التدرج في الإصلاح السياسي عبر مؤسسات محلية تشاركية.
- توسيع التحالفات المدنية.
- اعتماد العدالة الانتقالية دون منطق الانتقام.
- خطاب إعلامي معتدل يخفف من حدة الاستقطاب.
هذه المسارات، إن كتب لها أن تفعل، قد تنقل مفهوم التحرير من إطار الصراع الدموي إلى أفق إصلاحي أوسع.
هذه قراءة شخصية لا تدعي تقديم حكم نهائي، بقدر ما تحاول الاقتراب من سؤال جوهري: كيف يمكن للتحرير أن يتحول من حدث سياسي عابر إلى مسار أخلاقي يعيد للمجتمع توازنه، ويمنحه فرصة جديدة للبناء
في المحصلة، تبدو قراءة تجربة الرئيس أحمد الشرع في ضوء رمزية فتح مكة محاولة لفهم كيفية استدعاء القيم الدينية والتاريخية في الخطاب السياسي المعاصر. فالقيم النبوية، كما تكشف التجربة التاريخية، لم تكن مجرد مواعظ، بل أدوات لبناء المجتمعات وإدارة الصراعات. غير أن نجاح أي تجربة معاصرة يظل مرهونا بقدرتها على ترجمة هذه القيم إلى واقع ملموس يحقق العدل والاستقرار.
هذه قراءة شخصية لا تدعي تقديم حكم نهائي، بقدر ما تحاول الاقتراب من سؤال جوهري: كيف يمكن للتحرير أن يتحول من حدث سياسي عابر إلى مسار أخلاقي يعيد للمجتمع توازنه، ويمنحه فرصة جديدة للبناء، كما في قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم) (التوبة: 105).
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

