الأجنحة الصغيرة التي تهدد الخرطوم: حمّى الضنك والليشمانيا!

من داخل مطار الخرطوم الدولي تظهر لقطات لإقلاع طائرات الرش + صور ممثلي وزارة الصحة ومنظومة الصناعات الدفاعية.
لقطة لإقلاع طائرات الرش من داخل مطار الخرطوم الدولي (الجزيرة)

المكان: مسرح ضيق، ديكور بسيط: سرير متهالك، بركة ماء آسنة، ميكروفون قديم يتنفس غبارا.

الشخصيات:

  1. المواطن: جسد متعب وهزيل، وصوت مبحوح.
  2. الوزير: بدلة أنيقة، ورق بيانات وتقارير في يده.
  3. الزاعجة المصرية: بعوضة متبخترة بجناحين كالسيف.
  4. الذبابة الرملية: أنثى متصنِعة، كلماتها تحمل السم.
  5. الراوي: صوت ساخر يصف ما يحدث ويضحك من فوق الخراب.

الذبابة الرملية (تتقدم بخطوات رشيقة): دوري الآن. أنا لا أطن، لا أفضح نفسي. أدخل في صمت، أزرع في دمك طفيليات الليشمانيا. أضرب الكبد والطحال، أضعف دمك، أُبدل وجهك بقروح غائرة

الراوي (ساخرا): حين سكتت المدافع، لم يسكت الخراب. انتهت الحرب.. لكن الخراب لم ينتهِ. برك آسنة، نباتات متسلقة عشوائية في المنازل المهجورة، جدران منهارة، ظلام دامس، أفراد قليلون وصلوا لتوهم من النزوح إلى أهلهم الذين لم يفارقوا الديار. في هذا المناخ الخريفي، دخلت الحشرات المسرح لتستولي على الأدوار.

المواطن (ينهض من السرير متثاقلا محموما): أريد النوم.. فقط النوم.. لكن الطنين يلاحقني، في أذني، في رأسي، حتى في أحلامي.. الأجنحة الصغيرة تطاردني.. وكأن جسدي أصبح وليمة مجانية.

الزاعجة المصرية (تضحك وتلوح بجناحيها): ها أنا ذي! وزيرة الصحة في الظل. أحمل معي حُمى الضنك، هدية صغيرة من الطبيعة إلى الإنسان: حرارة أربعين درجة، صداعا، مفاصل محطَمة. يسمونها "تكسير العظام".. أعجبتني التسمية، اسم يليق بي.

الوزير (يدخل متأخرا، يصفق الجمهور): أيها السادة! لا تقلقوا، الوضع تحت السيطرة. اطمئنوا أيها المواطنون! نحن بخير. شكلنا لجنة وكتبنا تقريرا، عقدنا مؤتمرا، وبعده اجتماعا طارئا، والتقطنا صورا جماعية.

الجمهور يضحك.

الذبابة الرملية (تتقدم بخطوات رشيقة): دوري الآن. أنا لا أطن، لا أفضح نفسي. أدخل في صمت، أزرع في دمك طفيليات الليشمانيا. أضرب الكبد والطحال، أضعف دمك، أُبدل وجهك بقروح غائرة. حين يراني الطبيب يعرف أن الكلازار قد بدأ عزفه الطويل في جسدك.

السطور السابقة مشهد مسرحي يجمع السخرية والفكاهة عن حُمى الضنك التي تنقلها بعوضة الزاعجة المصرية المنتشرة حديثا في ولاية الخرطوم

موسيقى حزينة طويلة.

إعلان

المواطن (ينهار جالسا على الأرض): هل هذه مسرحية أم مأتم؟ حربٌ انتهت، حربٌ بدأت. من لم تقتله الحرب، قتلته الأجنحة. تعددت الأسباب والموت واحد.

الراوي (ساخرا): وهكذا تتحول الصحة العامة إلى كوميديا سوداء؛ الحشرات تحصد الجسد، والمواطن يتعلم فن الصبر.. أو فن الاحتضار. العوامل البيئية المتغيرة تمنح الحشرات بيئة ذهبية. الإهمال يفتح الأبواب.. والمواطن يتعلم فضيلة جديدة: التعايش مع الألم.

المواطن (يضحك بمرارة): هذه حرب لن ننجو منها إلا بتحالف كامل.

الوزير (يبتسم ويُلوح بورقته): لدينا خطة خمسية لمكافحة البعوض والذباب.

الزاعجة المصرية (تُصفر طويلا): خمس سنوات؟ هذا زمن كافٍ لبناء ثلاث إمبراطوريات.

الذبابة الرملية (تهز كتفيها وتضحك بخبث): وأنا.. سأكون وزيرة الدفاع.

الراوي (ختاما): وهكذا، أيها السادة، يظل الستار مفتوحا ولا يُسدل لمسرحية عبثية بلا نهاية. فصل واحد مستمر: المواطن يئن، الوزير يتكلم، الحشرات تضحك. ومن البعوض إلى الذباب.. يا قلبي لا تحزن.

السطور السابقة مشهد مسرحي يجمع السخرية والفكاهة عن حُمى الضنك التي تنقلها بعوضة الزاعجة المصرية المنتشرة حديثا في ولاية الخرطوم.

وقد اعتمدتُ في كتابته على توليد وتجميع الذكاء الاصطناعي. لكن الحكاية لم تتوقف عند البعوض الزاعج فحسب؛ إذ انضمت إلى العرض الذبابة الرملية! تلك الضيفة القديمة ثقيلة الظل، غير المرحب بها.

وهناك من يقول إنها عادت بالفعل، وهناك من يؤكد أنها مجرد شائعة، فقد غادرت الخرطوم في الثمانينيات بعد أن تركت إذ ذاك على وجوه وأطراف الناس قروحا وندبات لا تندمل إلا بعد شهور.

لا أحد يريد عودتها، كما لا أحد يريد عودة أي من ذوات الأجنحة الصغيرة الناقلة للأمراض. لكن المفارقة أن المطلوب ليس التمني فقط، بل توقع كل الفرضيات والاحتمالات للتعامل مع أسوأ السيناريوهات الوبائية التي تهدد الصحة العامة.

حمى الضنك، وهي من أكثر أنواع العدوى المنقولة بالبعوض انتشارا بين البشر، من المشكلات المستجدة في الصحة العمومية في بلدان إقليم شرق المتوسط، وتشكل تهديدا للأمن الصحي على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي.

أما الذبابة الرملية فهي ناقل رئيسي لمرض الكلازار أو الليشمانيا (Leishmania)، وهو طفيلي وحيد الخلية لأكثر من ثلاثين نوعا، منها نحو عشرين تصيب الإنسان، وتنتقل عن طريق أنثى ذباب الرمل المصابة، مسببة أمراضا تتراوح بين إصابات جلدية بسيطة ومرض جسدي وخيم.

يسبب داء الليشمانيات طفيليات أولية تنتقل عن طريق لسعة أنثى ذباب الرمل المصابة. ويؤثر المرض في بعض أفقر الناس في العالم، ويرتبط بسوء التغذية، والنزوح السكاني، ورداءة السكن، وضعف الجهاز المناعي، ونقص الموارد المالية.

وإذا سأل سائل: كيف وصلت كل هذه الكائنات ذات الأجنحة الصغيرة دفعة واحدة إلى حياتنا (إذا تأكد وصول ذبابة الرمل فعلا)؟ ولماذا وجدت أرضا خصبة لدورها المرضي؟ فالجواب ليس صعبا: من تجمعات المياه العذبة والراكدة بعد السيول والأمطار؛ فالأولى يتوالد فيها البعوض الزاعج، والثانية يتوالد فيها غير الزاعج.

هذا إلى جانب الصرف الصحي المتهالك، والنفايات المتراكمة، وحشائش وأعشاب طفيلية زاحفة ومتسلقة في الميادين والمنازل المهجورة، بما يشكل مناخا مثاليا للبعوض وكافة أجناس الحشرات.

إعلان

المؤسف والموجع أنه لم تكن ثمة تجهيزات لمواجهة هذا الهجوم الحشري في ظل الحرب، بعد أن تمكن الجيش من هزيمة ودحر مليشيات الدعم السريع المتمردة.

غابت الخطط وإستراتيجيات الطوارئ والوبائيات الفعالة، وحملات التوعية وتحسين البنية التحتية، وتعزيز خدمات المياه والصرف، وتوفير أدوات الوقاية الأساسية مثل الناموسيات والمبيدات الحشرية.

ومع ذلك، فإن المواطن البسيط لا يعرف شيئا عن كيفية التصدي لهذا الوباء المميت، وربما لا يملك المال الكافي لتلبية احتياجات العلاج من حمى الضنك، في حين أن توفير المحاليل الوريدية مثل الباراسيتامول من أهم مسؤوليات الوزارة ونظام الحوكمة. أما المواطن فلا يعرف إلا هذه الأجنحة الصغيرة التي تزعزع الناس من رؤوسهم حتى كعوب أقدامهم.

ولو أن الحكومة واجهت الناس منذ البداية بحقيقة الخطر، ووضعت خططا استباقية للتعامل مع الوباء، وأطلقت حملة إعلامية كبرى تشرح طرق الوقاية وكيفية التعامل مع الأعراض عبر الوسائل المرئية والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي، أو عززت الترصد البيولوجي والسريري بانتظام، وراقبت التوسع الحضري العشوائي وحاربته، وقدمت بدائل تخطيطية صحية، أو وفرت مخزونا كافيا من الأدوية والمسكنات والمحاليل، وأعلنت الاستنفار الكامل… لو أنها فعلت ذلك، لكان بالإمكان تقليل الإصابات إلى حدود معقولة، وربما محاصرة المرض في نطاق ضيق، كما يقول الخبراء، وكما يقول المنطق السليم قبل كلام الخبراء.

ومع ذلك، فإن الحقيقة الموجعة التي تكشفت بعد كل هذا، وبعد أن بدأ المرض أخيرا في الانحسار، هي أنه لم تُوفر الإرادة الحقيقية الكاملة للتعامل مع الكوارث والأوبئة، ولا الاستعداد التام والتأهب لمواجهتها. وكأن سرير الحوكمة نفسه محموم، مثل المواطن البسيط.

ختاما، فإن المرض أو البلاء -سواء الملاريا أو حمى الضنك أو الكلازار، وكلها تنقلها الأجنحة الصغيرة- لا يُعد حدثا طارئا مفاجئا غير محسوب، بل يمكن تجاوزه والتغلب عليه إذا توفرت الإرادة الحقيقية والتحضير الجيد. وفي غيابهما يبقى السؤال: ماذا سيأتي بعد الزاعجة المصرية؟ ما هي الأجنحة الطائرة في طريقها إلينا لتعلن السيادة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان