وقف إطلاق النار في غزة.. ما الذي يكشفه عن الشرق الأوسط الجديد؟

مستوى الدمار في غزة من حلقة للقصة بقية
الكاتب: السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الفلسطينية (الجزيرة)

يمثل وقف إطلاق النار الأخير في غزة أكثر من مجرد هدنة مؤقتة؛ فهو لحظة كاشفة تفضح ديناميكيات القوة المتغيرة في الشرق الأوسط، وتعبر عن الاعتراف العالمي المتزايد بالنضال الفلسطيني. ورغم هشاشة الاتفاق، فقد أجبر الأطراف الإقليمية والدولية على مواجهة حقائق لطالما حاولت إسرائيل طمسها.

إن وقف إطلاق النار هذا ليس مجرد صفقة تكتيكية، بل يعكس نظاما إقليميا متغيرا، عادت فيه القضية الفلسطينية لتفرض نفسها كمسألة محورية للعدالة والشرعية السياسية.

إن إعادة توزيع النفوذ هذه تقلل من قدرة إسرائيل على عزل القضية الفلسطينية؛ فقد أدركت القوى الإقليمية أن التطبيع مع إسرائيل من دون معالجة حقوق الفلسطينيين لا يجلب استقرارا حقيقيا

صفقة مرحلية بتداعيات عميقة

يُعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس صفقة ذات طابع مرحلي وتفصيلي؛ إذ جرى التفاوض عليها خطوة بخطوة، مع التركيز على التبادلات الفورية والتدابير المؤقتة بدلا من رؤية طويلة الأمد. ورغم أنها لا تمثل سوى المرحلة الأولى مما قد يصبح عملية أوسع، فإنها قد تنهار في أي لحظة إذا أخفق أي من الطرفين في الوفاء بالتزاماته.

تدخل إسرائيل هذه العملية وهي تملك قوة عسكرية ضخمة، ولا تزال القوة المهيمنة على الأرض، ومع ذلك فإن قدرتها على إملاء الشروط بشكل أحادي تواجه تحديا متزايدا؛ بسبب التدخل المتنامي للدول الإقليمية والوسطاء الدوليين. فقد لعبت كل من قطر، وتركيا، ومصر والولايات المتحدة أدوارا أساسية في صياغة الاتفاق، وتعمل هذه الأطراف مجتمعة على موازنة القوة الإسرائيلية باستخدام الدبلوماسية والوساطة والضمانات الأمنية لتشكيل النتائج.

تحولات في موازين القوى الإقليمية

تعكس تركيبة طاولة المفاوضات ما يمكن تسميته بـ"الشرق الأوسط الجديد". ففي الماضي، كانت الدول العربية الكبرى هي التي تهيمن على الدبلوماسية من خلال المبادرات العربية الجامعة، أما اليوم فقد برزت دول خليجية كوسطاء حاسمين بفضل علاقاتها الفريدة مع كلٍ من الحكومات الغربية وجماعات مثل حماس، فيما تلعب تركيا، ومصر أدوارا نشطة أيضا.

إعلان

إن إعادة توزيع النفوذ هذه تقلل من قدرة إسرائيل على عزل القضية الفلسطينية؛ فقد أدركت القوى الإقليمية أن التطبيع مع إسرائيل من دون معالجة حقوق الفلسطينيين لا يجلب استقرارا حقيقيا. وتُظهر مفاوضات وقف إطلاق النار أن إسرائيل لا يمكنها تجاوز المطالب الفلسطينية بالاعتماد فقط على صفقات ثنائية مع الحكومات العربية.

وصف العديد من المحللين وقف إطلاق النار بأنه تكتيكي وليس إستراتيجيا؛ فبدون معالجة الأسباب الجذرية يظل مثل هذا الاتفاق مؤقتا. وتتردد هذه الرؤية في الأصوات الفلسطينية التي تؤكد أن الاحتلال والظلم هما المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار

موقع إسرائيل من القوة وحدوده

تواصل إسرائيل الاعتماد على قوتها العسكرية الساحقة لفرض إرادتها، إلا أن هذه الإستراتيجية بلغت حدودها. فبعد أشهر من القصف على غزة، واجهت إسرائيل انتقادات دولية متزايدة؛ بسبب الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والعقاب الجماعي. وقد تحول الرأي العام العالمي بشكل حاد، وبدأت دول عديدة بالضغط من أجل المساءلة.

في الوقت نفسه، أضعفت الانقسامات السياسية الداخلية قدرة إسرائيل على صياغة إستراتيجية متماسكة طويلة الأمد؛ فقد تطلبت التنازلات من جانبها ضغوطا سياسية من أطراف خارجية، حتى إن الولايات المتحدة اضطرت إلى ممارسة ضغوط قوية لدفع حكومة نتنياهو إلى قبول بعض جوانب الاتفاق. وهذا يوضح أن قوة إسرائيل ليست مطلقة، وأن الضغط الدولي يمكن أن يشكل سلوكها.

وقف إطلاق النار لا يعالج القضايا الجوهرية

على الرغم من أهميته، فإن وقف إطلاق النار لا يحل أيا من القضايا السياسية الجوهرية. فمستقبل الحكم في غزة، والسيطرة على الحدود، والترتيبات الأمنية، وإعادة الإعمار، كلها قضايا لا تزال معلقة. كما أن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية مستمر، ولا توجد خطة متفق عليها للسيادة الفلسطينية أو لإنهاء عقود من التمييز المنهجي والتهجير.

وقد وصف العديد من المحللين وقف إطلاق النار بأنه تكتيكي وليس إستراتيجيا؛ فبدون معالجة الأسباب الجذرية يظل مثل هذا الاتفاق مؤقتا. وتتردد هذه الرؤية في الأصوات الفلسطينية التي تؤكد أن الاحتلال والظلم هما المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار.

تُعد آليات الإنفاذ ضرورية، ففي غياب المساءلة كثيرا ما انتهكت إسرائيل الاتفاقات السابقة دون عواقب تُذكر. وعلى المجتمع الدولي أن يضمن معالجة الانتهاكات والدفاع عن حقوق الفلسطينيين

عودة الصوت الفلسطيني إلى الواجهة

أعادت هذه المواجهة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. ففي السنوات الأخيرة، سعت إسرائيل إلى تطبيع علاقاتها مع الدول العربية متجاوزة الحقوق الفلسطينية، وهي إستراتيجية انكشفت الآن. لقد أظهرت الحرب وما تلاها من وقف لإطلاق النار أنه لا يمكن لأي ترتيب إقليمي أن يكون مستقرا دون حل عادل للفلسطينيين.

وبات من الواضح أن التطبيع بلا عدالة لا معنى له؛ فالفلسطينيون يطالبون بالسيادة والكرامة والاستقلال، ولا يمكن للهدنات المؤقتة أو الحوافز الاقتصادية أن تحل محل هذه الحقوق الأساسية. لقد عزز وقف إطلاق النار المطالبة الأخلاقية والسياسية للفلسطينيين على الساحة العالمية.

التنفيذ هو الاختبار الحقيقي

يعتمد نجاح وقف إطلاق النار أو فشله على التنفيذ؛ إذ يجب على الوسطاء مراقبة الالتزامات وفرضها، فبدون ضمانات موثوقة يمكن أن ينهار الاتفاق. ويجب على الأطراف الإقليمية أن تبقى منخرطة للحفاظ على حيوية العملية.

إعلان

تُعد آليات الإنفاذ ضرورية، ففي غياب المساءلة كثيرا ما انتهكت إسرائيل الاتفاقات السابقة دون عواقب تُذكر. وعلى المجتمع الدولي أن يضمن معالجة الانتهاكات والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، لأن الفشل في ذلك سيؤدي حتما إلى تجدد الصراع.

يوفر وقف إطلاق النار نافذة ضيقة لإعادة إطلاق مناقشات سياسية جادة قد تكون بداية لتحول أوسع إذا استُغلت بحكمة، أما إذا أُهملت فستصبح فرصة أخرى مهدرة

حل الدولتين يظل هو الأساس

على الرغم من سنوات الجمود، يظل حل الدولتين المسار الوحيد القابل للحياة لتحقيق سلام دائم، إذ لا يوجد بديل يمكنه تحقيق الاستقرار والأمن والعدالة. بالنسبة للفلسطينيين، يعني هذا دولة مستقلة ذات سيادة حقيقية، وبالنسبة للإسرائيليين يعني الإقرار بأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية دون عواقب.

يوفر وقف إطلاق النار نافذة ضيقة لإعادة إطلاق مناقشات سياسية جادة قد تكون بداية لتحول أوسع إذا استُغلت بحكمة، أما إذا أُهملت فستصبح فرصة أخرى مهدرة.

يمكن تحويل صفقة مرحلية إلى اختراق سياسي إذا توافرت ضغوط متواصلة من أجل العدالة والمساءلة، ويجب على العالم ألا يسمح لإسرائيل بتحويل هذه اللحظة إلى مجرد استراحة مؤقتة قبل تجدد العنف

لحظة اختيار

يكشف وقف إطلاق النار في غزة عن مسارين متنافسين: الأول هو استمرار الاحتلال والقمع ودوامات الحرب، وهو مسار قاد إلى الدمار والعزلة والإدانة الأخلاقية لإسرائيل. والثاني هو التحول نحو العدالة والاعتراف بالحقوق الفلسطينية والتعاون الإقليمي الحقيقي.

لقد أظهر الفلسطينيون صمودا في وجه قوة غاشمة، وعادت قضيتهم للظهور بقوة متجددة. وتواجه الدول الإقليمية والقوى العالمية الآن اختبارا واضحا: أستسمح لإسرائيل بمواصلة سياسات الهيمنة، أم ستدعم حلا سياسيا عادلا ودائما؟

إن وقف إطلاق النار هذا ليس نهاية المطاف، بل هو مؤشر على واقع متغير؛ فصحيح أن القوة العسكرية الإسرائيلية لا تزال كبيرة، لكن قدرتها على التحكم في السردية السياسية آخذة في التراجع. لقد استعادت القضية الفلسطينية زخمها على الساحة الدولية، وأصبحت الأطراف الإقليمية أكثر حزما.

يمكن تحويل صفقة مرحلية إلى اختراق سياسي إذا توافرت ضغوط متواصلة من أجل العدالة والمساءلة، ويجب على العالم ألا يسمح لإسرائيل بتحويل هذه اللحظة إلى مجرد استراحة مؤقتة قبل تجدد العنف. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وأي شيء أقل من ذلك سيضمن أن التاريخ سيكرر نفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان