تجاوز اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة أسبوعه الأوّل بنجاح نسبي. فمن حيث المبدأ، توقف القتل الواسع وعمليات التدمير الممنهج لكل بنية عمرانية أو طبيعيّة في القطاع، وهدأت أصوات المدافع إلى حد ما.
سلمت المقاومة الأسرى الأحياء من جنود جيش الاحتلال وعددهم عشرون جنديا، فيما أفرج الاحتلال الإسرائيلي عن أكثر من ألفي أسير فلسطيني، من بينهم نحو مئتي أسير من أصحاب الأحكام المؤبدة، في حين أصر الاحتلال على رفض إطلاق سراح أي من قيادات الحركة الأسيرة أو الأسرى ذوي الرمزية العالية.
الشق الأكثر حساسية في المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي حمل اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ارتبط بدرجة أساسية بملف تبادل الأسرى، وهو البند الذي وافقت عليه حركة "حماس" من العرض المذكور.
ويفترض أن تكون هذه الخطوة تمهيدا لبناء الثقة للانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق، وهي المرحلة الأكثر خطورة، إذ صيغ مضمونها وفقا للمعايير الإسرائيلية الخالصة.
وفي الوقت الذي ترى فيه الولايات المتحدة أنها تحمي "إسرائيل" من نفسها ومن حكومتها الحالية، وتسعى في الوقت ذاته إلى رعاية مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، لا يبدو رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، جاهزا لإنهاء الحرب فعليا دون الصورة "المتممة" التي لم تتحقق له بعودة الأسرى الأحياء.
لذلك، عاد ليبحث عن ضالته بأشكال وأدوات أخرى يريد بها أن يثبت "انكسار غزة"، في الوقت الذي تلاشت فيه أجزاء رئيسية من أهدافه الإستراتيجية بوقف الإبادة من دون تهجير أو استيطان أو ضم.
إذن، أنحن أمام نهاية فعلية للحرب على قطاع غزة، أم إن المستقبل يحمل وقائع معاكسة؟
بمقدار ما شكلت قضية الأسرى عبئا رئيسيا على حسابات نتنياهو السياسية، فقد ألقى هوس "النصر المطلق" بظلاله على سلوكه السياسي، فالسعي إلى استعادة مقعد رئاسة الوزراء دفعه إلى رفض أية خاتمة للحرب تقوض صورته أو تضع حدا لمسيرته السياسية
هل توقفت الحرب؟
لا يمكن أن تكون الإجابة عن سؤال "هل توقفت الحرب؟" مجردة أو معزولة عن السياق العام المتدحرج في كامل منطقة الشرق الأوسط. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن ما جرى على حدود قطاع غزة منعزلا عن تفاعلاته الإقليمية، ولم تكن حرب الإبادة التي تركزت في القطاع معزولة عن محيطها الفلسطيني والعربي والإسلامي، في جانبيها المقاوم والمهادن.
بقدر ما تداخلت معادلات تقدير مسار الحرب مع معادلات "الإسناد الإقليمي" التي حظيت بها المقاومة في العام الأول من عمر الحرب، فقد حددت هذه المعادلات السلوكين السياسي والتفاوضي للمقاومة الفلسطينية في غزة آنذاك.
وفي الوقت نفسه، انتكست المؤشرات السياسية الخاصة بهذا الإسناد تدريجيا بخروج ساحات متتالية من معادلات الدعم بفعل الضربات الإسرائيلية والدعم الأميركي المطلق.
لم يكن هذا الانقلاب في المعادلات سوى أنه أدى، بالتوازي، إلى تراجع الطموحات الإسرائيلية لتحقيق نتائج إستراتيجية واسعة. ويجادل كاتب هذا المقال بأن طموحات الاحتلال الإستراتيجية تدحرجت بفعل التطورات والتواطؤ العالمي مع الإبادة، ما دفع نتنياهو وفريقه الحكومي إلى استدعاء كل خطط "التطهير العرقي" وإمكانية التخلص من الكتلة الديمغرافية، وحتى طرح ملف الضم صراحة على طاولة البحث، والانتقال إلى التفكير في تطبيقها عمليا مع عودة ترامب إلى الرئاسة وتبنيه خطة التهجير في أشهره الأولى.
وبمقدار ما شكلت قضية الأسرى عبئا رئيسيا على حسابات نتنياهو السياسية، فقد ألقى هوس "النصر المطلق" بظلاله على سلوكه السياسي، فالسعي إلى استعادة مقعد رئاسة الوزراء دفعه إلى رفض أية خاتمة للحرب تقوض صورته أو تضع حدا لمسيرته السياسية.
في واقع الأمر، "النصر المطلق" الذي راقبه نتنياهو نصر مركب: يريد أن يحصد كل الثمرات دفعة واحدة أو على نحو متتابع؛ نتائج إستراتيجية بعيدة المدى تحسم مستقبل الصراع، وتحييد الكتلة الديمغرافية في غزة، والقضاء عمليا على وجودها أو دفنها تحت الأنقاض.
ولا ينفصل عن هذا هوس الصورة الواضحة للانكسار الفلسطيني الكامل؛ فلا يبدو نتنياهو مستعدا، تحت أي ظرف، لأن تنتهي الحرب دون أن يحصل على "الصورة البديلة" لمشهد انكسار جيشه وحكومته في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فمشهد الدمار في غزة وحده لا يكفيه، بل يريد مشهد الإخضاع الكلي للقطاع وقواه المقاومة.
نتنياهو الذي رغب بشدة في استعادة أسراه أحياء -ولم يكن ليتصالح بسهولة مع سيناريو مقتلهم لو وصلت الهجمة الإسرائيلية إلى نهاياتها على مدينة غزة- لن يرضى بانتهاء الحرب بهذا الشكل، دون أدوات تسمح له بادعاء "النصر المطلق"
وبالعودة إلى شكل الاتفاق الأخير وطريقة تفاوض المقاومة مباشرة مع الوسطاء، وبحضور الوساطة الأميركية التي أجرت لقاء مباشرا مع وفد "حماس"، فليس هذا النمط الصورة التي سعى إليها نتنياهو طيلة عامين من الإبادة حين سلطت على غزة أعنف القوى.
ومن هنا، فإن التجليات التي تلت الاتفاق على الأرض لم تلب طموح الصورة المنشودة؛ تحركات حركة "حماس" الأمنية، ونجاحها في تحييد شبكات وعناصر كان الاحتلال قد عمل على تمويلها وتحريكها لتكون بديلا أو تخلق فوضى داخل المجتمع، إضافة إلى عمليات تسليم الأسرى التي شهدت تماسكا في منظومات القيادة والسيطرة لدى الحركة، وهو ما عكس قدرة المقاومة على حفظ تماسكها خلال عامين من القتل والإرهاق.
طبعا، نتنياهو الذي رغب بشدة في استعادة أسراه أحياء -ولم يكن ليتصالح بسهولة مع سيناريو مقتلهم لو وصلت الهجمة الإسرائيلية إلى نهاياتها على مدينة غزة- لن يرضى بانتهاء الحرب بهذا الشكل، دون أدوات تسمح له بادعاء "النصر المطلق"، حتى لو كان نص الاتفاق أميركيا-إسرائيليا ويحقق للاحتلال مكاسب أمنية مستقبلية في القطاع.
وبناء على هذا المنطق، قد يجد نتنياهو نفسه مضطرا، في ظل السياق الراهن، إلى التريث في استئناف العدوان بزخم إبادي كامل، لكنه في الوقت نفسه لن يقر بانتهاء الحرب كحقيقة نهائية، بل سيبقى يبحث عن سبل لإعادة إنتاج العدوان من بوابات وأدوات بديلة -عسكرية وغير عسكرية- تبقي على حالة الاستنزاف القصوى لقطاع غزة، وتبقي المساحة مفتوحة أمام استمرار تأثيرات الإبادة على المدى الممكن، بما في ذلك تعطيل محاولات التعافي وجمع الشتات وشفاء الجراح.
يتعامل الأميركيون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمزيج من الموقف الشخصي لدى ترامب، والإقرار بأن لتركيا دورا مؤثرا في معادلات النفوذ الإقليمي؛ هذا المزيج يجعل تأثير أنقرة على مواقف واشنطن مربكا للحسابات الإسرائيلية
الموقف الأميركي المربك والمرتبك
على الرغم من مدى انسجام إدارة ترامب، مع التوجهات الإستراتيجية الإسرائيلية، وأهمية هيمنة "إسرائيل" على قوى المنطقة كجزء من محاولة إعادة ترسيخ النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، فإن هذا الانسجام لا يتطابق بالضرورة مع الطريقة التي يريدها الاحتلال في إدارة الملفات أو إخراج المشاهد، ولا سيما أمام طموحات نتنياهو السياسية، الذي يسعى إلى تحويل كل إنجاز إلى حدث استعراضي يدر عليه رصيدا سياسيا وتاريخيا.
في السياق الفلسطيني وملامح إنهاء الحرب، أكثر ما يربك نتنياهو أن الحسابات السياسية للرئيس الأميركي ليست تقليدية قابلة للقراءة المسبقة؛ فخضوع ترامب لتأثيرات متقلبة، ومعادلات مختلفة، ومستويات تقدير متباينة لحلفائه، يجعل من الصعب التنبؤ بمواقفه القادمة.
فعلى سبيل المثال، يتعامل الأميركيون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمزيج من الموقف الشخصي لدى ترامب، والإقرار بأن لتركيا دورا مؤثرا في معادلات النفوذ الإقليمي؛ هذا المزيج يجعل تأثير أنقرة على مواقف واشنطن مربكا للحسابات الإسرائيلية، خصوصا في صيغ المعالجات الأميركية الدقيقة المتعلقة بقطاع غزة.
وينطبق الحال نفسه على الموقفين القطري والمصري وإدراكهما حسابات الواقع في غزة؛ إذ إن التوافق الوطني الفلسطيني حول أية صيغة لمرحلة ما بعد الحرب هو المدخل الوحيد لصيغة ناجحة لإدارة مستقبل القطاع، وما دون ذلك لن يُكتب لأي مبادرة نجاح.
ثم إن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن المعالجات الأميركية تبقى سطحية إلى حد كبير، تركز على القشور والاستعراضات الشكلية؛ فتعامل الإدارة -على سبيل المثال- مع موافقة حركة "حماس" على المرحلة الأولى بوصفها موافقة شاملة على المبادرة الأميركية المعدلة لصالح "إسرائيل"، وتعاملها مع مؤتمر شرم الشيخ على أنه رسوخ لـ"السلام الأميركي" في المنطقة؛ كل ذلك ظل تأثيره محصورا داخل أروقة المؤتمرات، ولا يتجاوز جدول الأعمال العملي. هذا الواقع يعظم لدى "إسرائيل" الحاجة إلى احتكار قنوات التغذية المعلوماتية والسياسية تجاه الإدارة الأميركية.
تخشى حكومة الاحتلال أن تفرض الإدارة الأميركية معالجات لملفات غزة بمنطق بعيد عن الرؤية الإسرائيلية التفصيلية، وهي رؤية تهدف إلى إدامة آثار الإبادة، ومنع عودة القطاع إلى حياة طبيعية
وفي الوقت نفسه، وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام موقف أميركي مركب إزاء الخطوات الأمنية التي نفذتها "حماس" على الأرض للحد من العصابات والتشكيلات المتعاونة مع الشاباك؛ إذ منح هذا الموقف ضوءا أميركيا نسبيا لتنفيذ معالجات أمنية، ما يعد إقرارا مبدئيا بشراكة حمساوية في صياغة المشهد الأمني في القطاع من جهة، ومن جهة أخرى ألغى استثمارا إسرائيليا طويل الأمد في عصابات أعدت لتأدية دور مستقبلي حتى بعد اتفاق إنهاء الحرب، مستلهمة تجربة "جيش لحد" في جنوبي لبنان.
دفع هذا الواقع الاحتلال إلى البحث عن مداخل بديلة لمعالجة المشكلة دون الاصطدام المباشر بالرئيس الأميركي سريع الانفعال؛ فبدلا من المواجهة المباشرة، صدر بيان لافت عن القيادة الوسطى للجيش الأميركي يحث "حماس" على وقف "أعمال العنف"، كإجراء يهدف إلى تجاوز موقف الرئيس الأميركي دون المخاطرة بتظهير الخلاف علنا.
وعلى هذا الأساس، فإن تقلب مواقف ترامب -التي انتقلت من دعوات إلى فتح "أبواب الجحيم" على "حماس"، إلى مطالبات فجائية بوقف القصف فور موافقة الحركة على المرحلة الأولى من عرضه- يجعل التعاطي الإسرائيلي مع المشهد حساسا ومرتبكا، رغم اتفاق الأطراف على منظور إستراتيجي عام.
تخشى حكومة الاحتلال أن تفرض الإدارة الأميركية معالجات لملفات غزة بمنطق بعيد عن الرؤية الإسرائيلية التفصيلية، وهي رؤية تهدف إلى إدامة آثار الإبادة، ومنع عودة القطاع إلى حياة طبيعية، وتعزيز تفتيت النظام السياسي الفلسطيني عبر فرض إدارة غير فلسطينية أو منفصلة عن الإطار الرسمي؛ ما يعمق عملية تفكيك المشهد الفلسطيني، ويعوق أية محاولة لنهضة فلسطينية موحدة.
في ضوء ذلك، ليست حالة التلكؤ الإسرائيلية منفصلة عن محاولة تهدئة الاندفاع الأميركي نحو إنجاز معالجة سريعة وشاملة في المنطقة؛ إذ إن نتنياهو نفسه يملك مصلحة في إطالة حالة "اللاسلم/ اللاحرب" إلى أقصى حد ممكن، وتهيئة مناخ لأعمال حربية منخفضة الكلفة يمكنه استثمارها سياسيا وأمنيا لاحقا.
تحتاج حكومة الاحتلال بصورة ملحة إلى تهدئة الرأي العام الدولي وكسر حالة العزلة المتصاعدة؛ ولذلك فإن التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب "علنيا" يشكل مدخلا مهما لاستثمار سياسي إسرائيلي، خاصة بعد تلاشي إمكانية تحقيق التهجير القسري
بلورة القواعد الجديدة وفرض أجندة المرحلة الثانية
عود على بدء، فإن السلوك الإسرائيلي الحالي يكرس حقيقة واحدة: أن النوايا الإسرائيلية محسومة في اتجاه البحث عن أدوات ووسائل لاستكمال العدوان على قطاع غزة، عبر إعادة قولبة الأدوات، وتطوير إستراتيجية جديدة للتعامل مع القطاع في ضوء معطيات الاتفاق الأخير.
في الواقع، كان الاحتلال بحاجة إلى وقف إطلاق النار بمقدار حاجة غزة إليه، ولكن لأسباب عملياتية واقتصادية تتصل أساسا بتخفيف الاستنزاف المتواصل للجيش، وتسريح أعداد من جنود الاحتياط، وإعادة عجلة الاقتصاد الإسرائيلي إلى مسارها الطبيعي.
في الإطار ذاته، تحتاج حكومة الاحتلال بصورة ملحة إلى تهدئة الرأي العام الدولي وكسر حالة العزلة المتصاعدة؛ ولذلك فإن التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب "علنيا" يشكل مدخلا مهما لاستثمار سياسي إسرائيلي، خاصة بعد تلاشي إمكانية تحقيق التهجير القسري، وتصاعد الرفض الدولي -بل والأميركي- لأي خطوة نحو ضم أراضي القطاع.
هذا الواقع، الذي تعقد بعد فشل الضربة الغادرة التي كانت تستهدف اغتيال قيادة "حماس" ووفدها المفاوض في غارة كان يؤمل أن تتزامن مع توسع الهجوم المباغت على مدينة غزة، أدخل "إسرائيل" في وضع ملتبس؛ إذ جاءت النتائج عكسية، فبدلا من تحقيق اختراق ميداني، تحولت المنطقة كلها إلى حالة استنفار خشية الانفلات الإسرائيلي، الذي بات لجمه مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
ومع ذلك، لا يعني هذا التسليم بانتهاء المعركة أو توقف مكاسرة الإرادات في قطاع غزة؛ إذ إن الأهداف الإسرائيلية- لا بمعناها الإستراتيجي ولا بصورتها الآنية- لم تترجم إلى وقائع حقيقية بعد. لذلك، يسعى نتنياهو خصوصا إلى البحث عن أدوات تتيح له استدامة العدوان وتثبيت الوقائع الميدانية، مع منع أي انزلاق أميركي نحو تجاوز التفاصيل التي تمنحه مخرجا سياسيا مقبولا.
في هذا الإطار، يركز السلوك الإسرائيلي حاليا على إعادة تثبيت "قواعد الاشتباك" في التعامل مع قطاع غزة، وعلى رأسها ترسيخ فكرة أن "إسرائيل" ما تزال صاحبة السيطرة الأمنية الكاملة على القطاع؛ لا من خلال وجودها العسكري المباشر على أكثر من 50% من مساحة القطاع فحسب، بل أيضا من خلال تمسكها بالسيطرة التامة على المعابر كافة، بما فيها معبر رفح. فعلى الرغم من الترتيبات المفترضة لوجود أوروبي والإدارة المصرية للمعبر دون تواجد إسرائيلي مباشر، تصر "إسرائيل" على أن مفاتيح فتحه وإغلاقه تبقى في يدها وحدها.
يشير هذا السلوك، مقرونا بسلسلة من التهديدات المتكررة، إلى أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، بل سيمتد خلال الأيام المقبلة عبر أنشطة عسكرية واستخباراتية متعددة داخل أراضي القطاع، تثبت من خلالها "إسرائيل" "حرية الحركة" لقواتها في غزة.
تدرك الحكومة الإسرائيلية أن ما يجري في قطاع غزة لا ينفصل عما يجري في الإقليم، وأن نجاحها في غزة سيمهد لتحقيق أهداف مشابهة في لبنان وجنوبي سوريا، بل وربما التوسع نحو السعي إلى تقييد الوجود العسكري المصري في سيناء
وفي السياق ذاته، فإن التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول "نزع السلاح" لا تخرج عن إطار استباق المرحلة الثانية من الاتفاق، عبر محاولة فرض الأجندة على طاولة النقاش مسبقا؛ فـ"إسرائيل" تسعى إلى تحديد المعنى التفصيلي لمفهوم "السلاح" وفق رؤيتها، بحيث يشمل السلاح المادي، وقدرات التصنيع، وخطوط التهريب، والأنفاق، مع تأكيد وزير الحرب الإسرائيلي أن جيشه سيتولى تنفيذ هذه المهام بشكل مباشر.
بهذا المعنى، يعمل الاحتلال على استباق أية مقاربة أميركية أو إقليمية لملف نزع السلاح، ويرفض اختزاله في أنواع محددة أو مشاهد شكلية قد تفرغه من مضمونه؛ إذ يرى أن غايته الإستراتيجية تتمثل في تجريد الشعب الفلسطيني من حقه في مقاومة الاحتلال عبر الكسر الكامل والشامل للبنية العسكرية والتنظيمية للمقاومة في قطاع غزة، التي شكلت على مدى العقود الأخيرة ركيزة الفعل المقاوم.
كما تدرك الحكومة الإسرائيلية أن ما يجري في قطاع غزة لا ينفصل عما يجري في الإقليم، وأن نجاحها في غزة سيمهد لتحقيق أهداف مشابهة في لبنان وجنوبي سوريا، بل وربما التوسع نحو السعي إلى تقييد الوجود العسكري المصري في سيناء، بما ينسجم مع التطور الجديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بناء على ذلك، يمكن القول إن الحرب بزخمها الإبادي قد توقفت، لكن العدوان لم ينتهِ؛ بل تعاد قولبته في أشكال أكثر استدامة- عسكرية مباشرة، وأخرى غير مباشرة- قوامها الهيمنة الأمنية، والحصار، والابتزاز الإنساني، ومنع إعادة الإعمار.
وبذلك، ستبقى تجليات الأزمة ونتائج الإبادة حاضرة في واقع غزة طويلا، ما لم ينجح المشاركون في مؤتمر شرم الشيخ في وضع حد لمحاولات "إسرائيل" فرض أجندتها على المنطقة بأسرها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

