فلسطيني في كشمير.. "إن المصائب يجمعن المصابينا"

حيثما تحركت فأنت في حضرة الجمال! جمال الطبيعة التي تلتقي على مقربة منها جبال الهيمالايا والتبت الموصوفة بسقف العالم (الجزيرة)

أنا مدين لوالدتي حفظها الله بالكثير.. في سنوات عمري الأولى كانت بالنسبة لي محرك البحث "غوغل".

قرأت في طفولتي لشاعر يقول:

وحول كشمير قتلى لا عداد لهم..  في كل ناحية رأس وجثمان

كان المشهد فظيعًا في مكان لم أسمع به من قبل وكانت الإجابة حاضرة.. تلك ساحة حرب بين الهند وباكستان.

أنا وسط غطاء ثلجي محيط بالولاية من أكثر من جهة ممتد على مدار العام على مساحة جغرافية واسعة

اليوم، وبعد نحو نصف قرن أقف في ساحة مطار سريناغار العاصمة الصيفية لولاية كشمير أقلب المواجع ومعها أقلب الموبايل.. لا شبكة اتصال ولا إشارة إنترنت.. أهلًا بك في "جنة الله في الأرض"، ولأنها الجنة فلن تحتاج فيها إلى إنترنت!!

لكن ولأنها في الأرض، فهي محكومة بالمرارات.. إنها ميراث تقسيم شبه القارة الهندية قبل نحو قرن من الزمان إلى هند وباكستان، وما تبعه من صراعات، وما دفعته هذه الديار من أثمان.

لن أسترسل في السجع، ولا في السياسة، فقد قررت أن أهرب لثلاثة أيام منها إلى الطبيعة الجميلة..

قررت ذلك قبل قليل، وأنا أراقب المشهد من نافذة الطائرة.. بدت الولاية حسناء فاتنة تبدي محاسنها وتمتنع. بها ارتبط قماش فاخر وجمال باهر وزعفران نفيس، بشالها الحريري تغنى كاظم من كلمات نزار:

"شال الكشمير على كتفيك يرف حديقة ريحان".

لا شأن لي بشال كشمير.. فقد جئت بملء إرادتي باحثًا عن البرد، وطامعًا في فاصل شتوي في عز الصيف.. شتاء بطعم البطيخ والمانجو والبابايا والفواكه المجففة.

في العادة عندما أختار رحلتي، فإن ما يعنيني هو أن يكون سعر التذكرة معقولًا، وأما هذه المرة فأنا قادم من صيف خليجي لا تغيب عنه الشمس، وإن غابت ليلًا فسوف تعود.. وهي في غيابها تستودع لهيبها نسائم الليل ليستقبلها صباح اليوم التالي..

أما هنا فأنا وسط غطاء ثلجي محيط بالولاية من أكثر من جهة ممتد على مدار العام على مساحة جغرافية واسعة..

إعلان

الدرس الأول على ما يبدو من هذه البلاد؛ هو أنك حيثما تحركت فأنت في حضرة الجمال! جمال الطبيعة التي تلتقي على مقربة منها جبال الهيمالايا والتبت الموصوفة بسقف العالم.. عبق التاريخ الضّارب بنَسب مع المغول في حدائق شاليمار، ومغارات المتصوفة المترامية في أعالي الجبال.

الطبيعة الساحرة التي تبسّمت لنا قبل قليل من الطائرة بدت باهتة والبنية التحتية للطرقات متآكلة والبزات العسكرية الخضراء تختلط بخضرة الأشجار على طول الطريق!

رحلات نهرية على قوارب مزركشة بالألوان تحمل ما لذّ وطاب من الخيرات: شرائح لحم ضأن مختلطة بمرق الوزوان الكشميري متعدد الأشكال والمذاقات والخلطات.. ولكن الأهم بالنسبة لي أولًا هي فاكهة تخيلتها طازجة، ومجففة في كل زاوية من زوايا المحلات والعربات.

سرح الخيال بي بعيدًا.. ولكنني ما زلت في المطار ..مطار العاصمة سريناغار داخليّ فليس فيه كثير من إجراءات الجوازات وتعقيداتها.

أجلس بعد دقائق في سيارة تقلني إلى وسط المدينة تجود نوافذها بكثير من الهواء، يطيّر شعر الرأس والأفكار، ولكن يبخل بالإنترنت.. إنها وصفة سحرية للملل.. أعلل النفس بالآمال أرقبها عبر النافذة.

الطبيعة الساحرة التي تبسّمت لنا قبل قليل من الطائرة بدت باهتة والبنية التحتية للطرقات متآكلة والبزات العسكرية الخضراء تختلط بخضرة الأشجار على طول الطريق! ظننت أول الأمر أن هذه العسكرة حكر على محيط المطار، لأكتشف لاحقًا أنها في كل مكان.. يسلمك مشهد الجندي إلى جندي آخر على بعد نحو خمسين مترًا بينهما!

أتذكر مع هذا المشهد المملّ مشكلة الإنترنت، فأتخيل لو أنّهم استبدلوا كل جندي هنا بعمود اتصال للجوال والإنترنت، لكان أكثر جدوى، ولعاد على البلاد بمنافع اقتصادية هائلة! لا تكاد تختفي مشاهد الجُند إلا مع قطعان من الكلاب على جنبات معظم الطرق؟

صحيح أن الكلاب تصنف ضمن الحيوانات الأليفة، لكن الوصف ربما لا ينطبق على هذا الصنف الذي يحتل هنا جانبًا كبيرًا من الشوارع والأرصفة ويرمق بعيونه الجانب الآخر..

حملت أسئلتي معي إلى الفندق، لكن السؤال الأول الذي واجهني هناك شغلني عن أسئلتي.. ما رقم الهاتف المحلي الذي تحمله؟

كان يكفي أن أقول إنني فلسطيني لتفتح لي القلوب قبل البيوت والجيوب.. وتحضنني العيون قبل الصدور

دعوني أعود إلى الوراء قليلًا فقد تجاهلت لوحة في المطار، تقول هنا تباع شرائح الهواتف للسياح..

ربما كان الأفضل ألا تتجاهلها، قال موظف الفندق.. فهنا لا تعمل الشرائح الدولية ولا حتى الهندية إلا ما كان منها مسجلًا موثقًا بعقد رسمي، فسياسة الحكومة في هذه الولاية أن تتحكم في الاتصالات!

أدركت مع كلامه ألا مفر من السياسة، أحاول أن أقذف بها من نافذة الإجازة فتدخل عليّ من باب الاتصالات!

الكشميريون على ما يبدو شعب طيب وودود، وقد وطّنت نفسي على أن أقضي الأيام الثلاثة القادمة في تواصل مباشر معهم دون حاجة لهاتف ولا إنترنت! على كل حال هذه قضية مؤجلة، أما ما يشغلني قبل الظلام، فهو إطلالة سريعة أولية على الحي الذي أقيم فيه..

يسمونه "كاو كادل"، وهو على بُعد مئات الأمتار من بُحيرة دال الشهيرة في العاصمة ..من الطبيعي أن ترغب في الاستعانة بصديق في مكان مجهول المعالم، وقد وجدته لحسن الحظ على الفور.. شرائح بطيخ تغويني على عربة مجاورة للفندق.. أول قضمة منها أخبرتني أنني سأحب هذا المكان..

إعلان

بقيت معضلة التواصل بدون إنترنت.. إنه يحتاج إلى جسارة، وليس في سهولة ابتلاع شرائح من البطيخ.. يا إلهي لقد وجدتها، إنه البطيخ.. نعم إنه البطيخ ومع البطيخ وبائع البطيخ اكتشفت فجأة كلمة السر للتواصل هنا إنها فلسطين.. فلسطين المتدثرة في مظاهرات الغرب خلف شرائح بطيخ أسبوعية تزين لافتات المتظاهرين.

كان يكفي أن أقول إنني فلسطيني لتفتح لي القلوب قبل البيوت والجيوب.. وتحضنني العيون قبل الصدور..

تطور الحديث عن كشمير مع كثيرين قابلتهم هنا ليشمل الشأن الهندي بمجمله، وساهمت ساعات السفر بين المدن في الحديث عن شؤون وشجون عديدة من فلسطين إلى كشمير والعرب والعجم وبني الأصفر

السؤال شبه الموحد على الألسنة عن أوضاع الناس هناك، وما يقاسونه في أتون الحرب!

في إحدى الاستراحات اشتريت تذكِرة للدخول، وفي الأثناء سألني الموظف عن موطني، ولما قلت إنني من فلسطين هبّ إلى صندوقه، وأعاد لي ثمن التذكرة، فلن يسجل التاريخ أن كشميريًا تقاضى من فلسطيني ثمنًا لدخول الاستراحة!!

بين حين وآخر وجدت فرصة للسؤال الذي أعلم أنه سيلاحقني بعد عودتي.. هل البلاد آمنة؟! في كل مرة كنت أحصل على إجابات متشابهة..

  • إنها مقيدة بطعم السكون دون أن تدري أهو الاستقرار أم ذلك الذي يسبق العاصفة؟

تطور الحديث عن كشمير مع كثيرين قابلتهم هنا ليشمل الشأن الهندي بمجمله، وساهمت ساعات السفر بين المدن في الحديث عن شؤون وشجون عديدة من فلسطين إلى كشمير والعرب والعجم وبني الأصفر، وما بينهما من ذوي السلطان الأكبر..

قبل أن نتعرف على المدينة بدأت بما يحيط بها من جبال.. في الحقيقة هي ليست مجرد تضاريس طبيعية، فهذه السلاسل هي ما منحت هذه الولاية شخصيتها المتفردة على مدى التاريخ، ومنحتها هويتها الخاصة على مدى عدة قرون تستعصي على الغزاة.

على قممها تختلط الأساطير والخرافات برحلات الحج الديني، معابدها المترامية عيون ترمق المدينة تارة وتحميها من الغزاة تارة أخرى.. على جبالها تفيض دموع المتصوفة جنبًا إلى جنب مع مياه ذوبان الثلوج الجليدية التي تروي الملايين في الهند وباكستان..

الهند تريد كشمير بدون كشميريين، يقول سائس خيل رافقنا في الرحلة.. تاريخها واسع الشبه بفلسطين فثمة احتلال وسلطة ومقاومة ودول تدعم كل طرف، وعالم إسلامي تدعي كل بياناته الرسمية دعمه حق تقرير مصير الشعب، لكنه يخذله على أرض الواقع..

من يروي حكايات هذه الصخور؟ أم من يستمع لها؟ وماذا تقول إن باحت بحكاياتها؟ وماذا تخفي الطبيعة الجميلة وراءها من أسرار؟ أسئلة تراودني، وأقطع بها سكون الحافلة التي تقلّنا إلى مدينة جبلية تدعى بهالجام في يومنا الأول.

مضت الحافلة بنا عدة ساعات.. توقفنا دوريات الشرطة بحجة أن الطريق اليوم مخصص لرحلة الحجّ الهندوسي، والوضع الأمني لا يسمح بالمواصلة.. سلكنا طرقًا بديلة صعبة طويلة استغرقت معظم النهار كان فيها للخيول نصيب. بمجرد أن ركبنا الخيول بدا وكأننا اتخذنا القرار الخطأ، فما بدأ بطريق مسطح انتقل إلى جبال شاهقة مليئة بالمخاطر والمغامرات..

نحو ساعة من المسير تصل بنا إلى قرية يسمونها سويسرا الصغيرة، وتبدّلت وعثاء السفر بوادٍ خصيب تغرق فيه عيناك لساعات، حيث تلتقي الأرض بالسماء، مرورًا بجبال الثلج في أعلى الأفق.

الهند تريد كشمير بدون كشميريين، يقول سائس خيل رافقنا في الرحلة.. تاريخها واسع الشبه بفلسطين فثمة احتلال وسلطة ومقاومة ودول تدعم كل طرف، وعالم إسلامي تدعي كل بياناته الرسمية دعمه حق تقرير مصير الشعب، لكنه يخذله على أرض الواقع..

في العام الماضي أقامت الهند قمة العشرين على ضفاف بحيرة دال وعبّدت الطرق.. أعمدة النور حملت أعلام الهند لتقول للعالم إن لديها ألف دليل على ملكيتها لهذه الأرض..

إعلان

بلغة الصوفي الواثق من قضيته يرد صاحبي الكشميري: لو لم يكن لديها ألف شك لما احتاجت أن تقيم ألف دليل!!

عيون القوم تحكي حكاية حزن ممتد امتداد الجغرافيا ومتسامق كجبالها.. الثلج في أعلاها، وتحت سفوحها تغلي البراكين.

كل تفصيلة هنا تذكرك بأن على هذه الأرض شعبًا يستحق الحياة ويعشقها إن استطاع إليها سبيلًا..

عادات وتقاليد ضاربة في العراقة والجمال والثراء.. تخبرك محلات الذهب والمجوهرات عن زينة العرائس وتجهيزاتها المترفة، وتخبرك المطاعم عن موائد مترامية تزينها وجبة الوزوان الممتد على مائدة طويلة من اللحوم والأواني..

مساكنها التي تزين الجبال وفنادقها المتراقصة في قلب بحيرة دال تحدثك عن عشق الألوان والابتكار، وقبل ذلك تنبيك مساجدها عن نمط معماري فريد من الخارج وحفاوة في التأثيث والديكور والزخارف من داخلها..

لكن عيون القوم تحكي حكاية حزن ممتد امتداد الجغرافيا ومتسامق كجبالها.. الثلج في أعلاها، وتحت سفوحها تغلي البراكين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان