وجدة تحتفي بالفيلم المغاربي

على مدى خمسة أيام منتصف الشهر الجاري، شهدت مدينة وجدة "عاصمة الشرق" المغربي حركية دؤوبة، حوّلت هدوء المدينة إلى ضجيج سينمائي حارق، وهبّ متساكنو هذه المدينة نحو قاعات السينما، وقاعة العرض الرئيسية بمسرح محمد السادس لحضور الدورة الخامسة من المهرجان المغاربي للفيلم. ولعلّ هذا المهرجان الذي تنظمه جمعية "سيني مغرب" برئاسة المخرج خالد سلي بدأ يرسّخ عادات الدخول إلى القاعات المظلمة للاحتفاء برقصات الصورة، خاصّة وأنّ هذا الحدث السينمائي أصبح محطّة ثقافية هامة ينتظره "الوجادة" (سكان وجدة باللهجة العامية) للاحتفاء بالصورة المغاربية.

دورة الراحل مصطفى المسناوي..
اختار القائمون على تنظيم المهرجان إهداء هذه الدورة إلى روح فقيد السينما المغربية الجامعي والناقد مصطفى المسناوي الذي وافته المنية بمهرجان القاهرة السينمائي المنقضي، والمسناوي كان حاضرا في عضوية لجنة التحكيم في مهرجان وجدة سنة 2013، غير أنّ الأقدار شاءت أن يغيب بداية من هذه الدورة بعد مسيرة نقدية حافلة بالممارسة النقدية الجادة… ولم تستطع التحفة الفنية "مسرح محمد السادس" استيعاب الجمهور المتعطّش للسينما، حيث فاق الحضور الـ 1200 متفرّج، واكبوا فيلم الافتتاح "جوق العميين" للمخرج المغربي محمد مفتكر.
وعلى إيقاعات شعار المغاربية والوحدة تمّ تكريم ثلة من المبدعين المغاربة على غرار المخرج التونسي "خالد غربال"، ومن المغرب الممثلة "نجاة الوافي" والممثل جمال الدين الدخيسي، والممثل رشيد الوالي، والممثل المسرحي والسينمائي محمد حفيان.

وقد ترأس لجنة التحكيم المخرج المغربي سعد الشرايبي، فيما ضمّت في عضويتها كلاّ من الممثلة التونسية زهيرة بن عمار والممثلة الجزائرية سامية مزيان، فيما تغيّب السينمائي الموريتاني عبد الرحمان لاهي والمخرج الليبي محمد مخلوف لأسباب قاهرة.
وقد حازت المغرب والجزائر على جلّ الجوائز حيث جاءت النتائج على النحو التالي:
*مسابقة الفيلم الطويل:
– الجائزة الكبرى: فيلم "البئر" للمخرج الجزائري لطفي بوشوشي
– جائزة لجنة التحكيم: فيلم "أفراح صغيرة" للمخرج المغربي محمد شريف الطريبق
– جائزة أحسن إخراج: فيلم "أفراح صغيرة"
– جائزة أحسن دور نسائي: الممثلة المغربية فرح الفاسي عن فيلم "أفراح صغيرة"
– جائزة أحسن دور رجالي: الممثل التونسي غانم الزرلي عن فيلم "عزيز روحو"
* مسابقة الفيلم القصير:
– الجائزة الكبرى: الفيلم المغربي "مول الكلب" للمخرج كمال الأزرق
– جائزة لجنة التحكيم: الفيلم الجزائري "فراشة" للمخرج كمال اليعيش
– جائزة أحسن سيناريو: الفيلم الجزائري "موجة" للمخرج عمر بلقاسمي
– جائزة أحسن إخراج: للمخرجة المغربية غزلان أسيف عن فيلمها "همسات الزهرة"
أما جائزة الجامعة الوطنية للأندية السينمائية فقد عادت للمخرج المغربي هشام الركراكي عن فيلمه "نداء ترانغ".

وجدة… الحنين
المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة، مهرجان يخطو بخطوات ثابتة من أجل التميز، وهو ما جعل الأنظار تلتفت إليه، وإلى منطقة افتقدت النشاط السينمائي لمدى كبير، غير أنّها اليوم أصبحت بفضل مهرجانها قبلة مغاربية ودولية في ظلّ توفّر البنية التحتية وجدّية المنظمين، حيث يرى خالد سلي مدير المهرجان في هذا الإطار:" أنّ وجدة هي رمز الوحدة المغاربية، ونحن نسعى من أجل ترسيخ الثقافة السينمائية في المدينة وتطوير الممارسة الجادة، ليحتلّ مهرجاننا مكانة مرموقة ويكون رمزا يساهم من خلال الصورة السينمائية والثقافة في لمّ الشمل والاحتفاء بالصورة المغاربية".
وقد شهد صباحات وجدة نقاشات جادّة في "الماستر كلاس" مع المخرج محمد مفتكر ومواضيع أخرى مثل السينما والموسيقى أمّنها المخرج المغربي كمال كمال وزبير الخياط ويونس مقري وأسامة محمد وأخرى عن السرد الفيلمي… غير أنّ ما غاب عن هذه الدورة هو نقاشات الأفلام، حيث اقتصر المخرجون على تقديم أفلامهم وانتظار النتائج، وهو ما يجب استدراكه في الدورات القادمة…
ولعلّ من اللحظات القوية في هذه الدورة هي فقرة "نوستالجيا" (حنين) التي تنطلق نقاشاتها في سهرة كلّ ليلة بداية من منتصف الليل لتتواصل إلى حدود الثالثة فجرا بإقبال منقطع النظير من ضيوف المهرجان، وقد تمّ استضافة الكاتب الجزائري واسيني الأعرج ليعود بنا إلى حكايات الماضي وحنين الذكريات، للطفولة والنضال الثقافي…
المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة، تميّز في دورته بدسامة المحتوى حيث تمّ تنظيم ورشات في الإخراج السينمائي بإشراف المخرج وسيم القربي والفوتوغرافيا بإشراف المخرج داود أولاد السيد وكتابة السيناريو بإشراف الجامعي والناقد يوسف آيت همو، كما تمّ تكريم روح الفقيد الموسيقي محمد بوشناق، وتكريم ابن وجدة أيضا الفنان عبد الحفيظ الدوزي.
"من أجل تسامح أكثر لنتكلم أكثر"… وجدة الجسر المغاربي، هو إسهام من بوابة الثقافة لفتح الحدود المغربية الجزائرية وتجاوز الخلافات السياسية التي حرمت شعب المنطقة المغاربية من التنقل البرّي الحرّ… حدود علت جدرانها وطال سياج العزل لتفصل مسافة لا تتجاوز بضعة أمتار وتحرم المواطنين من حرية التنقل. أعلام هنا وأعلام هناك وتبادل تحايا بين شعبين، يجعلنا نمنّي النفس ككل مرّة أن ندخل المغرب مترجّلين… دون جواز سفر.
هكذا تكون السينما في وجدة مجموعة أماني للتقارب والوحدة من أجل المشترك… الذي يجمعنا.